العايدي يكتب: الدين والفلسفة (3): الجزء المفقود

{title}
أخبار الأردن -

 

د.محمد صبحي العايدي


لم يكن يوماً الجزء المفقود من الفلسفة مسألة نظريات أو أسماء فلاسفة أو مدارس فكرية، بل هي تعبير عن جوهر إنسانيتنا، فعندما تسأل أو تبحث عن الحقيقة أو تعي معنى كونك إنساناً، فأنت تمارس جوهر الفلسفة وإن لم تقرأ حرفاً واحداً منها، لأنك آمنت بذاتك وبمن حولك من البشر، ولما خرجت الفلسفة من حياتنا اليومية بوصفها حركة الإنسان الأخلاقية والإدراكية، واقتصرت فقط على قاعات النخب، فقدت وظيفتها الأولى، وصارت ترفاً فكرياً، بينما هي في أصلها إرادة ومهارة وجودية: كيف نفكر؟ وكيف نسال؟ وكيف نعيش دون أن نُسحق تحت ثقل الخوف أو الموروث أو السطوة؟
 

الفلسفة في جوهرها ليست معرفة إضافية، بل هي وعي بالذات، هي التعبير الأعمق عن إنسانيتنا، لأن الإنسان ليس ما يملكه ولا ما ينتمي إليه، بل ما يفكر به ويختاره، أنا إنسان لأني أستطيع أن أقول لماذا؟ وكيف؟ وهل يمكن أن يكون الأمر على نحو آخر؟ حين يمنع السؤال، أو تقيد الإرادة، نحن نفقد جزءاً من إنسانيتنا على قدر ما نفقد من حريتنا وإرادتنا، وحين يختزل التعليم بالتلقين تتحول العقول إلى مخازن للمعرفة، لا مصانع حيّة لإنتاجها.
وهنا يكمن أحد وجوه الجزء المفقود: أن الفلسفة ليست ضد الإيمان، ولا ضد القيم، بل ضد العبث والفوضى، في الوقت الذي تسعى فيه نخب الشر في العالم «للفوضى»، تسعى الفلسفة للخروج من هذه الفوضى والوقوف في وجه العبثية التخريبية للعالم، إنها تقول إن العالم ليس منتظما ومتناسقا، والوجود ليس مصادفة بلا غاية، وإن أفعالنا ليست بلا معنى، التفكير الفلسفي هو مقاومة العدمية، ورفض أن يكون الإنسان مجرد رقم في هذا الكون، أو أداة طيعة لمن يبحثون عن الخراب، أو ظلاً لتقاليد لم يفهمها، الفلسفة تجعلك تعيش على أن للحياة حساباً ومعنى، لا مجرد تقليد أعمى.
ومن هذا المعنى تولد الكرامة الإنسانية، لأن الإنسان الذي يستجمع معنى كونه إنساناً لا يقبل أن يهان، ولا يرضى أن تختزل إنسانيته برقم أو وثيقة، أو أن يستخدم كآلة، فالفلسفة هي الجذر العميق لفكرة حقوق الإنسان وحريته المسؤولة، فلا يمكن أن نطالب بحقوق إنسان دون أن نعترف ونؤمن: بأنه كائن عاقل، له حياة كاملة لا ناقصة، مهما كانت وظيفته أو دينه أو عرقه أو لونه أو جنسه، له حق أن يفهم، ويختار، ويخطئ، ويتعلم.
والأخطر أن غياب هذا الجزء، لا يخلق فقط ظلماً وطبقية في المجتمع، بل يخلق انقساما، حين تغيب الفلسفة بمعناها الوجودي، يتحول الاختلاف إلى صراع دائم، والمذاهب إلى أسوار ضد التكامل المعرفي، والهويات إلى كيانات تقسم المجتمع، أما الفلسفة في روحها فهي مصدر لوحدتنا، لا لأننا نفكر بالطريقة نفسها، بل لأننا فقط  نفكر، وفقط نبحث عن الحقيقة، وإن اختلفت لغاتنا وتنوعت، وتباينت تجاربنا ومعارفنا، لكن الحقيقة ليست متعددة، والصدق ليس نسبياً، الفلسفة تجعلنا شركاء في رحلة الوجود، لا أعداء في نفق الأنانية.
لهذا كان إدخال الفلسفة في التعليم ضرورة وجودية لا ثقافة عامة، نحن نحتاج إلى تعليم الفلسفة بوصفها رحلة الذات نحو الاستكشاف والمعرفة والوعي: كيف يثق أبناؤنا بأنفسهم، وبأهمية وجودهم الإنساني، كيف يسألون ويحاورون، كيف يرون العالم من زاوية أوسع، وكيف يبنون موقفاً من غير أن يهدموا غيرهم، إنها تمنحهم أدوات لقراءة العالم وما حولهم، في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا قيد ولا شرط، تصبح الفلسفة هي البوصلة التي تمنح أبناءنا المعرفة كيف يختارون، وما يختارون، وتمنع العقل من الضياع، والأخلاق من السيولة، إنها الحصن الحقيقي ضد التطرف، لأن التطرف على النقيض من العقل والبحث والسؤال.
ختاماً...الفلسفة تجعل الحقيقة أفقاً مفتوحاً، ومجالاً لا يغلق للبحث والسؤال، لا حكراً على طائفة أو جماعة، إنها مشروع للتنافس بين كل البشر على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم، فهي لا تُملك ولا تُهدر، بل تعاش، الجزء المفقود من الفلسفة: أن نعيش بوعي، أن نؤمن بأن هذا العالم مفهوم لا عبثيا، وأن نرى في اختلافنا طريقاً إلى الحقيقة لا مبرراً للكراهية، حين نستعيد هذا الجزء نكون قد أعدنا للإنسان إنسانيته، وللوجود معناه.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية