أبو دلو يكتب: الأردن والإقليم في العام الجديد
معاذ وليد أبو دلو
لم يكن الإقليم، منذ قرن مضى، نموذجا للهدوء أو الاستقرار، ولكنه يشهد منذ أكثر من عقد حالة تفكك بنيوي في منظوماته السياسية والأمنية، حيث لم تعد الأزمات طارئة أو مرحلية، بل تحولت إلى نمط دائم من عدم الاستقرار. هذه الحالة لا يمكن فصلها عن فشل مشاريع الدولة الوطنية في عدد من دول الإقليم، وتراجع قدرة الأنظمة السياسية على إنتاج الشرعية أو احتواء التناقضات الداخلية، مما أدى إلى سقوط أنظمة ودول.
ضمن هذا المشهد، يقف الأردن في موقع جغرافي وسياسي شديد الحساسية، ما يجعله متلقيًا مباشرًا لارتدادات الأزمات المحيطة، حتى وإن لم يكن طرفًا مباشرًا فيها.
على مستويات عدة، تعد عودة التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم داعش، مؤشرًا بالغ الخطورة، ليس بسبب قوتها العسكرية الحالية، بل بسبب قدرتها على استثمار الفراغات السياسية والاقتصادية، خصوصاً في البيئات والأنظمة الهشة المحيطة بالأردن.
التجربة السابقة أثبتت أن هذه التنظيمات لا تحتاج إلى سيطرة جغرافية واسعة لتشكيل تهديد حقيقي، بل يكفي وجود بيئات رخوة وحدود ملتهبة ومسارات تهريب نشطة وبيئة قابلة. ورغم نجاح الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة الأردنية في تحييد هذا الخطر داخليا، إلا أن استمرار الفوضى الإقليمية يبقي التهديد قائماً بصيغ مختلفة.
الخاصرة الشمالية للأردن تمثل اليوم أحد أكثر محاور القلق الإستراتيجي. فالملف السوري لم يدخل بعد مرحلة الاستقرار الحقيقي، بل يشهد إعادة تموضع للقوى الفاعلة داخلياً وخارجياً. كما أن التمدد الإسرائيلي في الجنوب السوري لا يمكن قراءته كتحرك أمني محدود، بل أصبح جزءا من إعادة رسم خرائط النفوذ في مرحلة ما بعد الحرب، وهو ما يضع الأردن أمام واقع جيوسياسي جديد على حدوده الشمالية. كما أن الحراك في السويداء، وما يحمله من أبعاد سياسية، يضيف عنصرًا جديداً من عدم اليقين قد يتحول في أي لحظة إلى عامل تفجير أمني عابر للحدود.
أما الجبهة الغربية، فهي تمثل التهديد الأكثر عمقاً وتأثيراً على الأردن، ليس فقط من منظور أمني، بل من زاوية إستراتيجية. فالتعامل الإسرائيلي مع وقف العدوان على غزة باعتباره هدنة مؤقتة، وليس مساراً سياسياً، وتأخير بدء المرحلة الثانية، يكشف عن نية واضحة لإدارة الصراع لا حله واستمرار الحرب . وفي الضفة الغربية، يشكل التوسع الاستيطاني والعنف المنظم للمستوطنين والعسكرة محاولة ممنهجة لدفع الفلسطينيين نحو خيارات قسرية، بما فيها الهجرة القسرية أو الانفجار الداخلي، وكلا الخيارين يحملان تداعيات مباشرة على الأردن.
الأخطر في هذا السياق أن السياسات الإسرائيلية الحالية تتقاطع مع خطاب يميني متطرف لا يعترف بالحدود ولا بالحلول السياسية التقليدية، ما يجعل فكرة "الوطن البديل" أو تفريغ الضفة الغربية من سكانها حاضرة ضمنياً في السلوك السياسي الأحمق، حتى وإن لم تعلن صراحة. وهذا يضع الأردن أمام تحد إستراتيجي طويل الأمد يتجاوز حدود التعامل الدبلوماسي التقليدي ويجعل السياسة وما بعدها العسكرة ضرورة.
لذلك يمكن القول إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأردن اليوم لا يتمثل في أزمة بعينها، بل في تزامن الأزمات وتداخلها. فالإقليم ينتج تهديدات متتالية ومركبة ومستمرة، أمنية وسياسية وديموغرافية وحتى اقتصادية، ما يتطلب من الأردن إدارة توازن بالغ الدقة بين الحفاظ على الاستقرار الداخلي، والانخراط الإقليمي المحسوب، والتمسك بالثوابت الوطنية. الأردن وعبر عقود يواجه مرحلة مفصلية تتطلب الحفاظ على استقراره في ظل الضغوط المتصاعدة، وهو ما يفسر حجم الضغوط والتحديات التي يواجهها في هذه المرحلة المفصلية.

