المجالي يكتب: أحزابُنا السياسية وامتطاء عباءة الوطن… حين يصبح الشعار بديلاً عن الفعل

{title}
أخبار الأردن -

محمد مطلب المجالي
لم تعد أزمة أحزابنا السياسية في قلة عددها ولا في حداثة تجربتها، بل في تلك المسافة الشاسعة بين ما ترفعه من شعارات وطنية وما تمارسه على أرض الواقع. فالوطن، الذي يفترض أن يكون البوصلة والغاية، تحوّل عند بعض الأحزاب إلى عباءة فضفاضة تُرتدى عند الحاجة، وتُخلع متى تغيّرت المصالح والظروف.
كثير من هذه الأحزاب يتقن الخطاب العالي عن الدولة والهوية والإصلاح، لكنه يتعثر عند أول اختبار عملي. برامج مكتوبة بعناية لغوية، ومؤتمرات مملوءة بالكلمات الرنانة، بينما الأداء الفعلي غائب، والرؤية ضبابية، والقرار مرتهن لحسابات ضيقة لا تمت للوطن بصلة.
الأخطر من ذلك أن بعض الأحزاب لم تنشأ أصلاً لخدمة فكرة أو مشروع وطني، بل كـ منصات عبور إلى المناصب والمكاسب، أو كملاذات سياسية مؤقتة لمن ضاقت بهم السبل في مواقع أخرى. وهنا يُختزل الوطن في بطاقة عضوية، ويُختصر الانتماء في بيان أو تصريح موسمي.
امتطاء عباءة الوطن لا يصنع حزبًا، ولا يمنح الشرعية، ولا يبني ثقة. فالوطنية لا تُقاس بكثرة الشعارات، بل بصدق المواقف، واستقلال القرار، والقدرة على الوقوف مع الناس لا فوقهم، والدفاع عن مصالحهم لا استغلال معاناتهم.
لقد ساهمت هذه الممارسات في تآكل الثقة الشعبية بالعمل الحزبي، وجعلت المواطن ينظر إلى الأحزاب بعين الريبة، لا لأنها فكرة خاطئة، بل لأن من تصدّر المشهد أساء إليها، وحوّلها إلى عبء بدل أن تكون رافعة إصلاح.
إن إصلاح الحياة الحزبية لا يبدأ بتكثير الأحزاب ولا بتغيير مسمياتها، بل بإعادة تعريف العلاقة مع الوطن: وطن لا يُستعمل، ولا يُتاجر باسمه، ولا يُختطف بشعاراته. وطن يُخدم بالفعل، ويُحترم بالصدق، ويُصان بالمواقف الشجاعة.
فإما أحزاب وطنية حقيقية تحمل مشروعًا وتتحمل مسؤولية،
وإما سنبقى ندور في حلقة الشعارات… ونترك الوطن يدفع الثمن.
 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية