الرواشدة يكتب: 85 مليون شخص فقدوا وظائفهم
أنس الرواشدة
يشهد العالم حاليًا تحولًا جذريًا مدفوعًا بالتقدم المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي (AI). هذا التقدم لم يعد مجرد مادة للخيال العلمي، بل أصبح قوة دافعة تعيد تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية، ويأتي تأثيره الأبرز على سوق العمل العالمي. إن فهم مدى ونوعية هذا التأثير، وما يصحبه من تهديدات وفرص، يتطلب تحليلًا دقيقًا يعتمد على البيانات والأرقام المتاحة حول تدمير الوظائف واستحداثها، وتغير المهارات المطلوبة.
بدأ النقاش حول أتمتة الوظائف منذ عقود، لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي والتعلم الآلي أدخلا مرحلة جديدة من التحدي، حيث أصبح بوسع الآلات أداء مهام كانت تعتبر حكرًا على البشر، بما في ذلك المهام المعرفية والإبداعية. تشير التقديرات المبكرة إلى أن التأثير سيكون واسع النطاق. فوفقًا لتقرير صادر عن منتدى الاقتصاد العالمي (WEF)، من المتوقع أن يؤدي التحول التكنولوجي إلى إزاحة ما يقرب من 85 مليون وظيفة عالميًا بحلول عام 2027، وهو رقم كبير يعكس سرعة الاستبدال المحتمل في القطاعات كثيفة المهام الروتينية [1].
ومع ذلك، فإن الصورة ليست سلبية بالكامل. ففي المقابل، يتوقع التقرير نفسه أن يخلق الذكاء الاصطناعي وإجراءات إعادة الهيكلة المرتبطة به ما يصل إلى 97 مليون وظيفة جديدة بحلول العام ذاته [1]. هذا التحول يشير إلى عملية إعادة توزيع للعمل بدلاً من الإلغاء الكلي. الوظائف التي ستختفي هي تلك التي تتسم بالتكرار والقدرة العالية على التنبؤ، مثل وظائف إدخال البيانات، وبعض الأعمال الإدارية، ومهام التصنيع البسيطة. على سبيل المثال، في قطاع التصنيع، ارتفعت أتمتة الروبوتات بشكل ملحوظ، حيث تشير تقارير الاتحاد الدولي للروبوتات إلى أن كثافة الروبوتات (عدد الروبوتات لكل 10,000 موظف) قد تجاوزت في دول مثل كوريا الجنوبية وألمانيا مستويات حرجة، مما يقلل الحاجة إلى العمالة اليدوية غير الماهرة في خطوط التجميع.
أما الوظائف الجديدة فترتبط بشكل مباشر بتطوير، وصيانة، وإدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي، وكذلك بالوظائف التي تتطلب مهارات إنسانية فريدة. البيانات تدعم هذا التوجه؛ إذ تشير تقديرات شركات الاستشارات الكبرى إلى أن الطلب على علماء البيانات، ومهندسي تعلم الآلة، ومطوري الذكاء الاصطناعي، تجاوز العرض المتوفر في السوق بشكل كبير في السنوات الخمس الماضية، مسجلاً معدلات نمو سنوية مركبة تتجاوز 30% في بعض المناطق [2]. هذا يوضح أن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل البشر بالكامل، بل يستبدل المهام، مما يغير طبيعة الوظيفة نفسها.
التأثير على الوظائف المعرفية يمثل تحديًا جديدًا. فمع ظهور نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) مثل GPT-4، أصبحت مهام مثل كتابة المحتوى الأساسي، والترجمة، والبرمجة منخفضة المستوى، وعمليات خدمة العملاء الروتينية عرضة للأتمتة. في قطاع الخدمات المالية، على سبيل المثال، يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي تحليل كميات هائلة من البيانات المالية وتقييم المخاطر أسرع بكثير من المحللين البشريين. تشير دراسة أجرتها شركة ماكينزي إلى أن ما يصل إلى 30% من الساعات التي يقضيها المحللون الماليون يمكن أتمتتها بحلول عام 2030 [3].
ومع ذلك، فإن هذا لا يعني نهاية دور المحلل المالي. بل يتحول دوره إلى التركيز على اتخاذ القرارات الاستراتيجية المعقدة، والتفسير السياقي للنتائج التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، والتواصل مع العملاء حول الاستراتيجيات المعقدة. هذا التحول يتطلب مهارات جديدة، أبرزها "الذكاء الاصطناعي البشري المشترك" (Human AI Collaboration)، والقدرة على التفكير النقدي في مخرجات الآلة.
التوزيع الجغرافي والاجتماعي للتأثير يثير قلقًا كبيرًا. الدول النامية التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على التصنيع والتعهيد (Outsourcing) لخدمات مثل مراكز الاتصال والعمليات التجارية (BPO) هي الأكثر عرضة للخطر. فإذا أصبحت الآلات قادرة على تلبية متطلبات خدمة العملاء أو معالجة الفواتير بتكلفة أقل من التعهيد الخارجي، ستفقد هذه الدول ميزتها التنافسية. يقدر البنك الدولي أن نحو 14% من الوظائف في الاقتصادات الناشئة معرضة لخطر الأتمتة المرتفع [4].
في المقابل، فإن الدول المتقدمة تتمتع بمرونة أكبر لإعادة تدريب القوى العاملة واستثمارها في البحث والتطوير التكنولوجي. ومع ذلك، هناك خطر متزايد لزيادة التفاوت الاقتصادي بين العمال ذوي المهارات العالية القادرين على تسخير الذكاء الاصطناعي، والعمال ذوي المهارات المنخفضة الذين يجدون وظائفهم معرضة للاستبدال دون وجود مسار واضح لإعادة التأهيل.
لتجاوز هذا التحدي، يجب على الحكومات والمؤسسات التعليمية تبني استراتيجيات استباقية. الاستثمار في التعليم المستمر وإعادة المهارات (Reskilling) لم يعد خيارًا بل ضرورة حتمية. يجب أن يركز التعليم المستقبلي على الإبداع، والذكاء العاطفي، وحل المشكلات المعقدة، والتفكير الأخلاقي في استخدام التكنولوجيا. على سبيل المثال، بدأت بعض الشركات الكبرى في تخصيص ميزانيات ضخمة لتدريب موظفيها الحاليين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في سياق عملهم اليومي، مما يضمن بقاء هؤلاء الموظفين جزءًا من العملية الإنتاجية بدلاً من الاستغناء عنهم.
ختامًا، يمثل الذكاء الاصطناعي سيفًا ذا حدين للوظائف العالمية. وبينما تشير الأرقام إلى إزاحة ملايين الوظائف التقليدية، فإنها تؤكد أيضًا على خلق فرص عمل جديدة تتطلب مستويات أعلى من الكفاءة البشرية والتخصص التكنولوجي. إن مستقبل العمل لا يتعلق بالتنافس ضد الآلات، بل بالاندماج معها. يتوقف نجاح الدول والأفراد على مدى سرعة تبني المرونة التعليمية والتنظيمية اللازمة للاستفادة من هذه الثورة التكنولوجية بدلاً من الخضوع لتأثيرها المدمر. إن الإدارة الفعالة لهذا التحول هي مفتاح ضمان نمو اقتصادي شامل ومستدام في العقد القادم.

