المجالي يكتب: التوطين مقابل الاقتصاد… مقايضة خطرة بثوبٍ ناعم

{title}
أخبار الأردن -

محمد مطلب المجالي.

حين يُطرح الاقتصاد بوصفه المدخل لتبرير التوطين، فنحن لا نكون أمام نقاش تنموي بريء، بل أمام واحدة من أخطر المقايضات التي يمكن أن تُعرض على دولةٍ ما:
ثوابت وطنية مقابل وعود اقتصادية.
فكرة التوطين مقابل الاقتصاد لا تُقال عادة بصوتٍ عالٍ، بل تُمرَّر همسًا، تحت عناوين جذابة: الاستثمار، النمو، المساعدات، تصفير العجز، أو إنقاذ المالية العامة. لكنها في جوهرها ليست خطة اقتصادية، بل مشروع سياسي مغلّف بلغة الأرقام.
الاقتصاد، مهما اشتدّ ضيقه، لا يكون مبررًا للتفريط بالهوية، ولا يصبح يومًا بديلًا عن السيادة. الدول تُصلح اقتصادها بالإنتاج، بالإدارة الرشيدة، بمكافحة الفساد، وبالعدالة في توزيع الأعباء، لا بإعادة تعريف نفسها أو تغيير تركيبتها الديموغرافية.
القول إن التوطين يمكن أن يكون حلًا اقتصاديًا، هو تبسيط مخلّ، بل وتضليل متعمّد. فالتجارب من حولنا تقول بوضوح:
التوطين لا يصنع اقتصادًا قويًا، بل يفتح أبواب أزمات جديدة؛ اجتماعية، سياسية، وخدمية، تبدأ بالضغط على البنية التحتية ولا تنتهي عند اهتزاز الاستقرار.
الأردن، الذي صمد في وجه أزمات إقليمية عاتية، لم يفعل ذلك لأنه كان غنيًا، بل لأنه كان واضح الموقف، ثابت البوصلة، يعرف ما يريد وما يرفض. وكل محاولة لربط القضايا الوجودية بالضائقة الاقتصادية، هي محاولة لابتزاز الوعي العام تحت ضغط الحاجة.
الأخطر في طرح التوطين مقابل الاقتصاد أنه يُصوِّر الأمر وكأنه خياران لا ثالث لهما:
إما القبول بالتوطين، أو الغرق اقتصاديًا.
وهذا طرح زائف، لأن الحقيقة تقول إن البديل موجود، لكنه مؤلم للبعض: إصلاح حقيقي، محاسبة جدية، وقف الهدر، كسر امتيازات، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
الاقتصاد يُدار بالسياسات، لا بالصفقات.
والوطن لا يُقايَض، مهما كان الثمن مغريًا على الورق.
إن من يظن أن تحسين المؤشرات المالية يمكن أن يعوّض خسارة الثوابت، ينسى أن الأوطان حين تفقد بوصلتها، تخسر اقتصادها واستقرارها معًا. فالمال بلا دولة، رقم بلا معنى، ونمو بلا هوية طريقٌ مختصر إلى الانهيار.
لهذا، فإن التوطين مقابل الاقتصاد ليس حلًا، بل فخٌّ استراتيجي، يبدأ بوعدٍ مؤقت، وينتهي بندمٍ طويل.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح:
هل نريد اقتصادًا قويًا داخل دولة مستقرة؟
أم أرقامًا جميلة فوق أرضٍ متنازع على هويتها؟
الجواب، لدى الأردنيين، لم يكن يومًا محل تردد.
 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية