العتوم يكتب : ترامب يوجّه إنذارًا لطهران: رصاصة ضد المحتجين تعني فتح أبواب الجحيم
د.نبيل العتوم
ما يجري في الشارع الإيراني لم يعد حدثًا داخليًا يمكن عزله داخل حدود ايران ، ولا احتجاجًا اجتماعيًا عابرًا يمكن احتواؤه بالقوة ثم طيّه إعلاميًا. فالاحتجاجات التي اندلعت خارج طهران وانتشرت بسرعة غير متوقعة كشفت خللًا أعمق في بنية السيطرة، وأظهرت أن شرائح لطالما بقيت على هامش السياسة خرجت اليوم بلا وسطاء، بلا قيادة، وبلا أوهام إصلاح. هذا التحول هو الأخطر، لأنه يسحب من النظام أدواته التقليدية في التفكيك والاحتواء، ويضعه في مواجهة جمهور لا يفاوض ولا ينتظر، بل يعبّر عن قطيعة كاملة مع فكرة التغيير التدريجي.
في هذا السياق، يصبح القمع خيارًا بالغ الكلفة؛ فالنظام الذي اعتاد استخدام العنف كوسيلة مضمونة يدرك أن إطلاق النار هذه المرة لن يكون مجرد رسالة داخلية، بل شرارة خارجية أيضًا. هنا يدخل العامل الأميركي بقوة، وتحديدًا دونالد ترامب، الذي يقرأ المشهد الإيراني من زاوية الفرصة لا القلق.فأي دماء في الشارع الإيراني ستمنحه الذريعة السياسية والأخلاقية التي لطالما انتظرها لإعادة تدويل الأزمة، وتحويلها من ملف احتجاجي إلى قضية مواجهة مفتوحة مع نظام “يقمع شعبه”.
إنذار ترامب لطهران لا يُقرأ بوصفه تعاطفًا إنسانيًا مجردًا مع المحتجين، بل كرسالة استراتيجية عالية الحدة : الرصاص في الداخل يرفع القيود في الخارج.؛فواشنطن، ومعها تل أبيب، ترى أن انشغال إيران بجبهتها الداخلية يضعف قدرتها على الردع الإقليمي، ويكشف هشاشة معادلة “الضغط بلا كلفة”، وأي تصعيد دموي ضد المتظاهرين سيُستخدم لتشديد العقوبات، وتوسيع العزلة، وربما فتح الباب أمام ضربات محسوبة تستهدف أذرع إيران أو بنيتها العسكرية، تحت عنوان حماية الشعب الإيراني وفرض ثمن على القمع.
إسرائيل، في هذا المشهد، ليست مراقبًا محايدًا. ؛ فحكومة نتنياهو تراقب الشارع الإيراني باعتباره عاملًا مكمّلًا لمعادلة المواجهة، لا تفصيلًا ثانويًا. بالمقابل فان ضعف الداخل الإيراني يعني ترددًا في الرد، وتآكلًا في صورة القوة، وفرصة لاختبار الخطوط الحمراء. الضوء الأخضر الأميركي، الصريح أو الضمني، وهذا سيجعل من أي انزلاق أمني داخل إيران عنصرًا محفّزًا لتوسيع الاشتباك، سواء عبر ضرب حزب الله، أو عبر رسائل عسكرية مباشرة لطهران إذا اقتضت “الضرورة”.
المفارقة أن النظام الإيراني يدرك كل ذلك، ولهذا يتردد ، فالقمع الشامل قد يُنهي الاحتجاجات سريعًا، لكنه يفتح عليه جبهة خارجية أخطر. التساهل قد يطيل عمر الاحتجاجات، لكنه يمنحه هامشًا لتجنّب الذريعة الكبرى. وهذا التردد ليس علامة حكمة، بل مؤشر مأزق ؛ فالدولة التي تخشى الرصاصة لأنها قد تستدعي ضربة، وتخشى الصمت لأنه قد يراكم الغضب، تكون قد دخلت مرحلة إدارة الخطر لا التحكم به.
فالاحتجاجات، حتى وإن بقيت محدودة عدديًا، فقد كسرت احتكار الإصلاحيين للشارع، وأسقطت وهم أن النظام يواجه خصومه عبر قنوات معروفة يمكن تطويقها. اليوم، يقف النظام الايراني أمام جمهور غاضب لا يرفع صور موسوي ولا ينتظر خاتمي ، ولا يرى في روحاني منقذًا، بل يصرخ مباشرة في وجه رأس النظام.، وهذا ما يجعل أي خطأ في الحسابات قاتلًا.
الخلاصة أن إنذار ترامب ليس تهديدًا لفظيًا عابرًا، بل تذكير قاسٍ بأن العالم يراقب ، وأن لحظة القمع قد تتحول إلى لحظة انقلاب في قواعد الاشتباك. ...فرصاصة واحدة في الشارع الإيراني قد لا تُسكت الهتاف، لكنها قد تُطلق سلسلة تفاعلات وتطورات لا تملك طهران ترف السيطرة عليها في منطقة اعتادت العيش على حافة الهاوية، وهنا يصبح السؤال ليس إن كان النظام قادرًا على القمع، بل إن كان قادرًا على تحمّل ثمنه في هذه اللحظة المصيرية .

