مهرجان جرش للثقافة والفنون أربعون عاماً من إقامة المعنى في جسد المكان
أحمد الشهاوي: مصر
ليس المهرجان حدثاً يُقاس بعدد دوراته، بل بما يتركه من أثر في الروح. ومهرجان جرش للثقافة والفنون، بعد أربعين عاماً، لم يعد مناسبة عابرة في الروزنامة الثقافية العربية، بل صار سؤالاً مفتوحاً عن معنى الثقافة، وقدرة الكلمة على البقاء في زمن يستهلك كل شيء بسرعة، حتى الأحلام.
منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، حين أُعلن عن ولادة هذا المهرجان في حضن المدينة الأثرية، لم يكن الهدف الاحتفاء بالفن بوصفه زينة، بل استدعاء المعنى إلى فضاء عام، وجعل الثقافة حدثاً يومياً لا نخبة مغلقة. هكذا، بهدوء لا يخلو من عناد، بدأ جرش رحلته، أن يُنصت إلى الصوت العربي وهو يعيد تعريف نفسه شعراً وموسيقى وفكراً.
وفي جرش، لا يُلقى الشعر في الفراغ. القصيدة هنا تمر عبر الحجارة، وتستعير صمت الأعمدة، وتجلس قليلاً على مدرّج عرف خطب الأباطرة، قبل أن تصير همس شاعر. المكان لا يزيّن النص، بل يوسّعه، يجعله أبطأ، أعمق، وأكثر قابلية للتأمل.
أن تقرأ قصيدة في جرش يعني أن تختبر هشاشة الزمن وقوته في آن. فالتاريخ، حين يجاور الحاضر، لا يفرض سلطته، بل يفتح باب السؤال: ما الذي يبقى؟ وما الذي يزول؟ وربما لهذا السبب، بدا مهرجان جرش منذ بدايته أقرب إلى طقس ثقافي منه إلى احتفال عابر.
لم يكن الشعر ضيفاً على مهرجان جرش، بل أحد سكّانه الدائمين. في أمسياته عبرت أصوات شعرية عربية كبرى، من أجيال مختلفة ورؤى متباينة، لكنها التقت جميعاً على الإيمان بأن القصيدة ما زالت قادرة على أن تقول شيئاً، حتى في الأزمنة الثقيلة.
ما ميّز التجربة الشعرية في جرش أنها لم تخضع لمنطق التصنيف أو الوصاية الجمالية. قصيدة التفعيلة جاورت قصيدة النثر، واللغة العالية التقت باللغة اليومية، والاختلاف لم يكن سبباً للإقصاء، بل شرطاً للحوار. هكذا تحوّل المهرجان، عبر السنين، إلى مرآة صادقة لتحولات الشعر العربي: قلقه وتجربته وانكساراته، ومحاولاته الدائمة لإعادة ابتكار ذاته.
ولم تتوقف التجربة عند منصّة القراءة. فالحوارات النقدية والندوات الفكرية كانت امتداداً للأسئلة التي تطرحها القصيدة نفسها: ما وظيفة الشعر؟ وما حدوده؟ وما علاقته بالعالم الذي يتغير أسرع مما نكتب عنه؟
ولم يقتصر حضور الأدب في مهرجان جرش على الشعر وحده، بل إن الرواية، والقصة، والنقد، والفكر، وجدت جميعها مكانها في هذا الفضاء. فلم يكن الأدب معزولاً عن أسئلته الكبرى، بل حاضراً بوصفه محاولة للفهم لا للزينة.
في مهرجان جرش الذي شاركت فيه منذ عام 1994 ميلادية، في إدارة كل من أكرم مصاروة، وجريس سماوي، وأيمن سماوي، التقى كتّاب المشرق والمغرب، لا تحت شعار الوحدة، بل تحت شرط الحوار. تعددت اللهجات، واختلفت المرجعيات، لكن الكلمة ظلّت قادرة على بناء جسر مؤقت، هش ربما، لكنه ضروري. ولهذا صار المهرجان، مع الوقت، أحد أهم ملتقيات التلاقح الأدبي العربي.
وفي عالم عربي شهد اختفاء مهرجانات كثيرة، أو تحوّلها إلى مناسبات شكلية، يطرح مهرجان جرش سؤال الاستمرار: كيف بقي؟ ولماذا؟
الجواب الأقرب إلى الحقيقة أن جرش لم يعامل الثقافة بوصفها ترفاً. منذ بدايته، كانت هناك قناعة بأن الثقافة فعل وعي، وأن الفن ليس زينة للواقع، بل أحد طرق مقاومته. هذه القناعة جعلت المهرجان يتجاوز الأزمات، ويتحمّل التوقف المؤقت، ويعود كل مرة بصيغة جديدة من دون أن يفقد اسمه أو روحه.
كما أن التعدد، لا الإقصاء، كان سراً آخر من أسرار البقاء. فالموسيقى لم تطغَ على الشعر، ولا المسرح على الفكر، بل ظل الجميع في حالة توازن هش لكنه منتج، توازن يشبه الحياة نفسها.
وبعد أربعين عاماً، لم يعد مهرجان جرش حدثاً يُنتظر بقدر ما صار ذاكرة تُستعاد. ذاكرة للأصوات التي مرّت، للنصوص التي قُرئت، وللأسئلة التي لم تُجب بعد. ذاكرة تقول إن الثقافة حين تجد من يؤمن بها تستطيع أن تصمد أمام النسيان.
إن تأثير مهرجان جرش في الحركة الشعرية والأدبية العربية لا يُقاس بالأرقام، بل بما أحدثه في الوعي: في فكرة اللقاء، في قيمة الحوار، وفي الإيمان بأن الكلمة ما زالت تستحق أن تُقال في فضاء عام.
جرش، في جوهره، ليس مهرجاناً، بل محاولة نجاة. نجاة للكلمة من العزلة، وللشعر من التهميش، وللثقافة من التحول إلى ديكور. أربعون عاماً، وما زال هذا المكان يقول لنا إن الفن، حين يُصان، لا يشيخ، وإن القصيدة، مهما بدا العالم صاخباً، ما زالت قادرة على أن تجد من يصغي إليها.
وهذا، ربما، هو معنى جرش الأعمق: أن تظل الكلمة ممكنة.
أيمن سماوي.. حين تستعيد جرش صوتها الثقافي وتنهض من الذاكرة إلى المستقبل

