المجالي يكتب: الحكومات ونهج الجباية… حين تتحوّل المعاملات إلى فِخاخ مالية
محمد مطلب المجالي.
لم تعد الجباية اليوم فعلاً مالياً تقليدياً تُحصَّل به الضرائب لتسيير شؤون الدولة، بل تحوّلت – في كثير من الأحيان – إلى نهجٍ متكامل يتسلّل إلى تفاصيل حياة المواطن اليومية، عبر المعاملات والترخيص والكمارك والمخالفات، وحتى أبسط الخدمات، وكأن جيب المواطن بات الهدف الأسهل والأقرب.
في السابق، كانت الضرائب واضحة ومعلنة، تُفرض بقوانين مفهومة ويمكن للمواطن أن يستوعب غايتها. أمّا اليوم، فقد ظهرت أساليب حديثة في “نيش الجيوب”؛ رسوم متناسلة، وغرامات متحركة، ومخالفات تُحرّر بلا إنذار، وتعليمات تتغيّر قبل أن يفهمها الناس. كل ذلك تحت عناوين براقة: تنظيم، تحديث، رقمنة، أو تصويب أوضاع.
في ملف الترخيص، لا يقف الأمر عند رسمٍ واحدٍ معلوم، بل تتفرّع الرسوم بين فحصٍ وتجديدٍ وطوابع وخدمات إلزامية، حتى يشعر المواطن أن الترخيص لم يعد إجراءً إدارياً، بل عبئاً مالياً متراكماً. أما الكمارك، فقد تحوّلت من أداة لحماية الاقتصاد الوطني إلى كابوس يلاحق المواطن والتاجر الصغير، حيث تتغيّر التقديرات وتعلو الرسوم، وتُترك المساحات الواسعة للاجتهاد الذي غالباً ما يكون على حساب الناس.
وفي المخالفات، تتجلى الصورة الأوضح لنهج الجباية؛ كاميرات تُنصب لا للوقاية بل للصيد، ومخالفات تُسجَّل دون توعية مسبقة أو بنية تحسين السلوك، وكأن الغاية ليست السلامة العامة بقدر ما هي رفد الخزينة بأسرع الطرق وأقساها.
المشكلة لا تكمن في مبدأ تحصيل المال، فالدولة بحاجة إلى موارد، لكن الإشكالية الحقيقية في غياب العدالة والتوازن. حين يشعر المواطن أن الحكومة تمد يدها إلى جيبه أسرع مما تمد يدها إلى جيوب الفاسدين، وحين تُشدّد على الضعفاء وتلين أمام كبار المتهربين، تتآكل الثقة، ويصبح القانون عبئاً لا مظلة حماية.
نهج الجباية المفرطة لا يبني دولة قوية، بل يرهق مجتمعاً متعباً أصلاً. فالمواطن الذي يُستنزف يومياً لن يكون شريكاً في الإصلاح، بل ضحية تبحث عن النجاة. الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تكون الجباية عادلة، واضحة، ومقترنة بخدمات ملموسة، وحين يشعر المواطن أن ما يدفعه يعود عليه أمناً وتعليماً وصحة وكرامة.
أما الاستمرار في ابتكار أساليب جديدة لـ“نيش الجيوب”، فلن يملأ الخزينة على المدى البعيد، بل يفرغ القلوب من الثقة، ويعمّق الفجوة بين الحكومات والناس… وتلك خسارة لا تُجبى بالمال.
محمد مطلب المجالي.

