الديري تكتب: عمّان: مدينة تُدار بالكاميرات وتُهمَل بالبنية التحتية
حلا الديري
عمّان ليست مدينة عادية في وجدان الأردنيين. هي العاصمة، والملاذ، والذاكرة، والمكان الذي يُفترض أن يعكس صورة الدولة واحترامها لمواطنيها. لكن الواقع اليوم يطرح سؤالًا مؤلمًا: كيف يمكن لمدينة بهذا الثقل أن تُترك شوارعها مكسّرة، وبنيتها التحتية منهكة، بينما يُروَّج للتكنولوجيا وكأنها إنجاز بحد ذاتها؟
شوارع عمّان تشهد يوميًا على غياب التخطيط الحقيقي. حفر تتكاثر، إسفلت يُرقَّع بلا حلول جذرية، ومشاريع تُعاد كل عام في المكان نفسه، وكأن المشكلة لم تكن واضحة من قبل. المواطن يدفع الثمن من سلامته، سيارته، ووقته، بينما لا أحد يُحاسَب على هذا التدهور المزمن.
أما مصارف مياه الأمطار، فهي مثال صارخ على الإهمال. مع كل شتاء، تعود المشاهد ذاتها: شوارع غارقة، حركة مشلولة، وخسائر يمكن تفاديها بسهولة لو كانت الصيانة أولوية لا ردّة فعل موسمية. المصارف المقفلة ليست قضاءً وقدرًا، بل نتيجة مباشرة لغياب المتابعة والمساءلة.
وفي مقابل هذا الواقع، تنتشر كاميرات المراقبة في الشوارع، بعضها يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي. لا أحد يعارض التطور أو استخدام التكنولوجيا، لكن السؤال المنطقي: ما جدوى كاميرات ذكية تراقب شوارع غبية؟ كيف تُطبَّق الرقابة الصارمة على المواطن، بينما تُترك البنية التحتية بلا رقابة أو محاسبة؟
التكنولوجيا ليست بديلًا عن الطرق السليمة، ولا عن المصارف الفعّالة، ولا عن التخطيط الحضري المحترم. استخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن يبدأ بتحسين حياة الناس، لا بتجاهل معاناتهم اليومية. الأمن المروري لا يتحقق بالكاميرات وحدها، بل بشوارع آمنة، وإشارات واضحة، وبنية تحتية تحترم الإنسان.
الأردنيون متعلقون بهذا البلد بصدق، وهذا التعلّق ليس ضعفًا، بل حق. حقهم أن يعيشوا في مدينة تليق بهم، لا مدينة تُطالبهم بالالتزام بينما تعجز عن توفير أبسط مقومات السلامة. عمّان لا تحتاج إلى مزيد من التجميل الإعلامي، بل إلى قرارات شجاعة، تخطيط حقيقي، ومساءلة لا تستثني أحدًا.
البنية التحتية ليست ترفًا، بل كرامة. ومدينة بحجم عمّان، وأهل بحجم الأردنيين، يستحقون أكثر بكثير مما هو قائم اليوم.

