العتوم يكتب: إِيرَانُ تُهَدِّدُ بِالثواني… وَتُقَاتِلُ بِالتَّصْرِيحات
د.نبيل العتوم
في كل موجة تصعيد محدثه ، تُخرج طهران ساعة التهديد من جيبها، تضبط المؤقّت "الستوب ووتش "، وتبدأ العدّ التنازلي لانتهاء إسرائيل ، الإصدارات والتهديدات تسابق الزمن ..تتكرر تباعا .. : تل أبيب وحيفا سوف تُمحَيان خلال سبع دقائق ونصف، لا أكثر ولا أقل، وكأن الحرب وصفة سريعة ، أو إعلان دعاية لوجبة جاهزة. دقة زمنية مدهشة في الخطاب، مقابل غموض كامل في الواقع، حيث يبدو أن الصواريخ تعرف موعد الإقلاع، لكن السياسة لا تعرف طريق التنفيذ بانتظار الهجوم الاسرائيلي .
الأمر لم يعد يحتاج إلى عدّاد، بل إلى آلة حاسبة عملاقة لإحصاء التهديدات الإيرانية نفسها ؛ عدد التصريحات بات أكبر من عدد الأيام، ومفردات “المحو” و“التسوية” و“الرد الساحق” ...تُعاد تدويرها صباح مساء حتى فقدت معناها، تمامًا كما تُعاد تدوير الخطابات ذاتها في كل احتفال وكل منصة وكل مناسبة، حتى أصبح التصعيد طقسًا لغويًا يوميًا لدي مسؤلي ايران لا أكثر.
ولأن أي عرض لا يكتمل دون فقرة ترفيهية، جاءت النصيحة الذهبية لنتنياهو سابقا من قائد الحرس الثوري حسين سلامي التي حملته الصواريخ الاسرائيلية الى العالم الاخر حسين سلامي : تعلّم السباحة. .. هل كان تحذيرا استراتيجيا ، أم إعلان غير مباشر عن دورات إنقاذ بحري؟ دولة تؤكد أنها قادرة على محو مدن خلال دقائق، لكنها تجد متسعًا من الوقت لإعطاء نصائح رياضية لخصمها بأخذ دورة للسباحة ، في مشهد يلخص مأزق الخطاب: تهديد بنكهة نكتة.
الأطرف من ذلك، السخرية الإيرانية المتكررة من “الخيار العسكري المدمر الموضوع على الطاولة”. سؤال بريء يتكرر: لماذا لم تستخدمه ضد العدو عندما دمر دفاعات ايران الجوية وتم دفن جزء مهم من برنامجها النووي الذي ينتظر التأبين الرسمي ، واغتالت جل قياداتها في حرب يونيو ؟ وكأن طهران نفسها لا تملك سوى خيار واحد… الكلام....خيار عسكري واستخباري يتم تفعيله لا يغادر الطاولة الإسرائيلية، يقابله ردع إيراني لا يغادر المنصة الإعلامية، فيما تُدار المواجهة الحقيقية بعيدًا عن الميكروفونات، حيث لا سبع دقائق ولا عدّادات ولا خطابات ولا طقوس احتفالية.
في المحصلة، لم يعد الردع الإيراني قوة تُخيف الخصوم بقدر ما أصبح عرضًا لفظيًا متقن الإخراج، يُقاس بالثواني ويُقدَّم بالسخرية ويُعاد بثّه مرارا وتكرارا عند كل أزمة.... سبع دقائق ونصف، تدريب على السباحة، وخيار عسكري مدمر..ومسح عن الخارطة ...… مسرح كامل، لكن الستارة لا ترتفع أبدًا ، والجمهور الذي قطع تذاكر فيلم الاكشن ما زال ينتظر

