عوض يكتب : "من يحصد المكاسب من الذكاء الاصطناعي؟"
احمد عوض
قد تضاعف شركة إنتاجها دون توظيف عامل جديد، وقد تنجز مؤسسة خدماتها بنصف عدد موظفيها. بمقياس الكفاءة، يبدو ذلك إنجازاً، لكنه يفتح سؤالاً تنموياً أوسع: كيف تتحول الإنتاجية الأعلى إلى فرص عمل ودخول أفضل؟ في دول الجنوب العالمي، ومنها الأردن، حيث تعجز أسواق العمل عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب، يصبح هذا السؤال أساسياً لتقييم آثار التحول التقني.
يحمل الذكاء الاصطناعي إمكانات واسعة لتحسين التشخيص الطبي والتعليم، وتطوير الصناعة والزراعة والنقل، وتقليل الهدر وتسريع القرارات وتحسين دقتها. غير أن إتاحة التكنولوجيا لا تعني توافر شروط الاستفادة منها؛ إذ يتطلب توظيفها بفاعلية تعليماً جيداً، وعمالة مؤهلة، وأدوات إنتاج حديثة، وبنية رقمية مناسبة، وتمويلاً متاحاً. وهنا تبدأ الفجوة بين الاقتصادات.
تتمتع اقتصادات الشمال بأفضلية واضحة في هذه المجالات، إلى جانب امتلاكها جانباً كبيراً من التقنيات وتطويرها. وتستطيع بعض الاقتصادات الصاعدة تضييق الفجوة بفضل قواعدها الصناعية واستثماراتها التعليمية. أما الدول الأضعف، فقد تبقى مستهلكة لخدمات تقنية مستوردة، دون بناء قدرات إنتاجية مماثلة. وتشير ورقة بحثية نشرها صندوق النقد الدولي مؤخرا إلى أن مكاسب النمو المحتملة للاقتصادات المتقدمة قد تتجاوز ضعف مكاسب البلدان منخفضة الدخل.
ولا تقف هذه الفجوة عند حدود الدول، بل تمتد إلى داخل مجتمعاتها. فالمنشآت الكبيرة وأصحاب رأس المال والعاملون الأعلى تأهيلاً أقدر على اقتناص العوائد، بينما تواجه المنشآت الصغيرة والعمالة الأقل مهارة ضغوطاً تنافسية أكبر، واحتمالات تراجع الطلب على بعض مهامها. ولا يحدث الانتقال إلى الوظائف الجديدة تلقائياً؛ فهو يحتاج إلى تدريب ووقت ودخل يحمي العامل خلال هذه المرحلة. وحين تمنح نظم التعليم شهادات دون بناء مهارات التحليل والتعلم والتكيف، فإنها توسّع المسافة بين التخرج والحصول على عمل لائق.
ويتضاعف هذا التحدي مع اتساع أعداد الداخلين إلى سوق العمل. فبحسب تقديرات البنك الدولي، سيبلغ نحو 1.2 مليار شاب في البلدان النامية سن العمل خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، مقابل توقعات بتوفير نحو 400 مليون وظيفة. لم يصنع الذكاء الاصطناعي هذه الفجوة، لكن إحلاله محل بعض المهام قد يزيد صعوبة ردمها، خصوصاً إذا تقدمت وتيرة الاستغناء عن العمل على وتيرة توليد فرص جديدة.
وتكمن المفارقة في أن الاستجابة تتطلب توسيع الإنفاق العام على التعليم والتدريب والصحة والحماية الاجتماعية، بينما تستنزف كلفة التمويل وخدمة الدين موارد الدول المدينة. وتزداد الضغوط عندما تُقيَّد هذه النفقات لتحقيق أهداف مالية قصيرة ومتوسطة الأجل ضمن برامج "إصلاح" يدعمها صندوق النقد الدولي. وتتضمن بعض هذه البرامج حدوداً دنيا للإنفاق الاجتماعي، لكن وجودها لا يضمن كفايتها أو شمولها. فالاستقرار المالي والنقدي ضروري، وتتعزز قيمته التنموية عندما يحمي المجتمعات.
في ظل هذه الظروف، يُرجَّح أن يعمّق الذكاء الاصطناعي، في الأجلين القصير والمتوسط، التفاوت بين الشمال والجنوب وبين الطبقات داخل الدول. ويتطلب تغيير هذا المسار حماية موازنات التعليم والحماية الاجتماعية، وربطها بأهداف واضحة قابلة للقياس والمساءلة.
كما يحتاج إلى تعاون دولي لمعالجة أعباء الدين وكلفته، يبدأ بتنسيق مواقف الدول المدينة لتعزيز قدرتها التفاوضية مع الدائنين. ويوازي ذلك تنسيق السياسات الضريبية للحد من التنافس على جذب الاستثمار بإعفاءات تقوّض قدرة الدول على تحصيل ضرائب عادلة من أرباح الشركات.
فالتقنية تفتح إمكانات جديدة، والسياسات تحدد مدى اتساع الاستفادة منها. ومن دون موارد عامة تحمي الناس وتؤهلهم، لن تتمكن مجتمعاتنا من اللحاق بها.







