أبو زينة يكتب : "فاز لولا دا سيلفا، وفشل مسعى واشنطن..!"
علاء الدين أبو زينة
في الأسبوع الماضي فاز لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة غير متوالية في البرازيل. وينطوي فوزه على دلالة تتجاوز تجديد الثقة برئيس يساري مخضرم أو إلحاق هزيمة جديدة بالتيار البولسوناري اليميني في البلد. فقد جاء الفوز في مواجهة مساعٍ أميركية موثقة للتأثير في المشهد السياسي البرازيلي، واستخدام أدوات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي لدعم عودة عائلة بولسونارو المرتبطة باليمين الأميركي وإدارة ترامب إلى السلطة.
وكان ما قالته النتيجة أن النفوذ الأميركي، على اتساع موارده وأدواته، لا يضمن التحكم في المسارات السياسية للدول الأخرى، وأن القدرة على التدخل تصطدم بحدود السيادة الوطنية والمؤسسات المحلية وإرادة الناخبين.
في جولة الإعادة، حصل لولا على 51.79 في المائة من الأصوات، مقابل 48.21 في المائة لفلافيو بولسونارو، ابن الرئيس السابق جايير بولسونارو. واكتسبت النتيجة دلالة إضافية بعد تقدم فلافيو في الجولة الأولى، وفي ظل استقطاب سياسي حاد وضغوط أميركية تجاوزت التصريحات والتفضيلات الانتخابية إلى استخدام أدوات الدولة الأميركية.
بحسب تقرير لوكالة «رويترز» سعى مسؤولان نافذان في وزارة الخارجية الأميركية، دارين بيتي وريكارْدو بيتا، إلى دعم عودة عائلة بولسونارو إلى الحكم. وبدأ المسعى بالأب، جايير بولسونارو، رغم إدانته والحكم عليه بالسجن بتهمة التآمر للبقاء في السلطة بعد خسارته انتخابات 2022، ثم انتقل إلى دعم ترشيح ابنه. وشملت التحركات توجيه الدبلوماسيَّين الأميركيين إلى تجنب التعامل مع مرشحين محافظين يمكن أن ينافسوا فلافيو، والضغط لفرض عقوبات على قاضٍ في المحكمة العليا قاد التحقيقات ضد الرئيس السابق.
ولم تتوافر أدلة قاطعة على القيام بهذه التحركات بتوجيه مباشر من البيت الأبيض أو وزير الخارجية ماركو روبيو، بحسب التقرير؛ لكن تزامنها مع إجراءات أميركية رسمية أخرى يشير إلى اتساع التدخل. فقد فرضت إدارة ترامب رسومًا جمركية وصلت إلى 50 في المائة على صادرات برازيلية، وسحبت تأشيرات ثمانية من قضاة المحكمة العليا، وفرضت عقوبات على القاضي ألكسندر دي مورايس بموجب «قانون ماغنيتسكي» الذي يتيح تجميد الأصول وحظر التأشيرات عن متهمين بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو الفساد.
مع ذلك، جاءت النتائج مخالفة للغايات الأميركية. لم تمنع العقوبات المحكمة البرازيلية من مواصلة محاكمة جايير بولسونارو وإدانته، ولم تُضعف الضغوط الاقتصادية فرص لولا بالقدر المطلوب. وساهم رفع الرسوم في التفاف البرازيليين حول حكومته عندما اعتبرها كثير منهم اعتداءً على مصالح بلادهم وسيادتها. كما أثارت الإجراءات اعتراض قطاعات اقتصادية مرتبطة بالتجارة مع الولايات المتحدة مما دفع واشنطن إلى تخفيف بعض الرسوم. ورُفعت العقوبات عن القاضي دي مورايس، ومنعت البرازيل بيتي من دخول أراضيها. وبذلك تحولت أدوات الضغط الأميركية في بعض جوانبها إلى عبء سياسي على الجهة التي استخدمتها.
تكشف هذه المفارقة أن العقوبات والتهديدات الاقتصادية قد تمنح الحكومة المستهدفة رصيدًا سياسيًا إضافيًا عندما تُفهم باعتبارها عقابًا للدولة ومواطنيها بسبب خياراتها أو قرارات مؤسساتها. وقد نجح لولا في نقل المواجهة من سجال انتخابي داخلي إلى قضية تتصل بالسيادة وحق البرازيليين في اختيار حكامهم. وكما أظهرت الكثير من التجارب –ومنها التجربة الإيرانية الحالية- فإن التدخل الخارجي يمكن أن يوحّد قوى متعارضة داخليًا حين يستفز الشعور الوطني ويحوّل الانتباه من الخلاف السياسي إلى الدفاع عن استقلال القرار.
تتصل قدرة البرازيل على مقاومة الضغوط أيضًا بتنويع وتوسيع الخيارات الدولية، وفي مقدمتها انخراطها في مجموعة «بريكس». وكانت البرازيل عضوًا مؤسسًا في المجموعة، وتولت رئاستها الدورية في العام 2025، وسعت إلى تعزيز التعاون بين دول الجنوب العالمي، وإصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والمالية. وتوفر «بريكس» للبرازيل مساحة لتنويع علاقاتها التجارية والسياسية، وتخفيف اعتمادها على مركز واحد في النظام الدولي، وتوسيع هامش المناورة في مواجهة الضغوط الأميركية. ومع أن المجموعة لا تشكل تحالفًا موحدًا أو ضمانة أكيدة ضد العقوبات، فإنها تمثل أحد ملامح التحول نحو تعدد مراكز القوة، وتمنح الدول الأعضاء خيارات وشبكات تعاون إضافية.
ومع ذلك، لا تحدد العوامل الخارجية وحدها قدرة الدول على تحرير قراراتها. وفي حالة البرازيل، أسهمت المؤسسات البرازيلية في حماية المسار الانتخابي، ومن ذلك رفض المحكمة العليا الخضوع للضغوط. ووفرت التعبئة الاجتماعية والتحالف الواسع الذي ضم النقابات والطلاب وقطاعات شعبية قاعدة انتخابية حاسمة. والتقت هذه العوامل مع قدرة لولا على جعل مسألة السيادة الوطنية قضية جامعة، كما ينبغي أن تكون. وبذلك كان الانتصار حصيلة لتفاعل مثالي بين المؤسسات، والمجتمع، والخيارات السياسية على المستوى الدولي.
بالنسبة لنا كعرب، يشكل فوز لولا مكسبًا مهمًا بالنظر إلى مواقفه من قضايانا المركزية. فقد اتخذ موقفًا شديد الانتقاد لحرب الكيان على غزة، ووصف ما يجري بالإبادة الجماعية، وأيد الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام «محكمة العدل الدولية»، وشدد على حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة. كما اتخذت حكومته إجراءات لتعليق صادرات دفاعية يمكن استخدامها في ارتكاب جرائم دولية. وقد وضعته هذه المواقف والإجراءات في خلاف واضح مع حكومة الكيان والإدارة الأميركية الداعمة لها. ولا يمكن استبعاد فكرة أن موقفه من فلسطين أضاف إلى أسباب التحركات الأميركية ضده.
وعندما يتعلق الأمر بالدروس التي يمكن أن يستخلصها العرب من التفاعلات العالمية، فإن التجربة البرازيلية تُظهر أن امتلاك الولايات المتحدة –أو أي قوة كبيرة أخرى- أدوات هائلة للضغط لا يمنحها سلطة تقرير مآلات الدول، وأنها يمكن أن تُخفق في تحويل تفوقها المادي والاقتصادي والسياسي إلى إرادة نافذة، وأن هناك فارقًا بين القدرة على إيقاع كلفة بالآخرين والقدرة على إخضاعهم وتجريدهم من الإرادة.
لا ينبغي أن تكون الدول الأقل قوة ساحات مباحة لإرادة القوى الكبرى بالضرورة. إنها تستطيع، إذا امتلكت مؤسسات متماسكة، وقاعدة اجتماعية فاعلة، وشعورًا راسخًا بالكرامة الوطنية، وخيارات دولية متنوعة، أن توسع مساحة المناورة والرفض وإظهار شخصية قمينة بأن تحترم نفسها ويحترمها الآخرون.







