اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

كراجة يكتب : "إسرائيل: يمين يفرز يمينه"

{title}
أخبار الأردن -

سائد كراجة

«لأنه أمرٌ استعماري».
بهذه العبارة طلب ثيودور هرتزل، مؤسس الصهيونية، عام 1902 دعم سيسيل رودس، المستعمر البريطاني الذي حملت اسمَه جمهورية روديسيا في أفريقيا. واليوم، بعد 124 عاماً، يقترع الإسرائيليون، والسباق بين يمين ويمين يزايد عليه. ولا أراها مصادفة، فالمشروع الذي وُلد استعمارياً استيطانياً يحمل في بنيته يميناً متطرفاً يدافع عنه.


احتاج هذا المشروع منذ البداية إلى قوة كبرى تحميه: بريطانيا التي رأت فيه حارساً لطريق الهند، ثم واشنطن بعد 1967. وفهم جابوتنسكي، أبو اليمين الصهيوني، عام 1923 أن كل شعب، والفلسطيني ليس استثناءً، سيقاوم المستوطنين، فلا بقاء للمشروع إلا خلف «جدار حديدي». ولا مفاوضات مع العرب إلا بعد هزيمتهم، وقد صرّح اليمين بصوت عالٍ بما مارسه الجميع بصمت، فكان أصدق تعبير عن المنهج لا انحرافاً عنه.


وغذّى اضطهادُ أوروبا لليهود فزعاً مقيماً، لم يكن للفلسطيني ولا للعربي يدٌ فيه. ومن يحمل ذاكرة المحرقة يرى في كل شبر يُعاد تهديداً لحياته. هكذا دفع الفلسطيني فاتورة الجريمة الأوروبية، وغدا، بتعبير إدوارد سعيد، «ضحية الضحية». ثم جعلت مدرسة الحاخام كوك الاستيطان «بداية الخلاص»، وصار التنازل عن الأرض معصية للرب لا سياسة لحزب!


والباقي تتكفل به السياسة. لم يحكم إسرائيل حزب منفرد قط، وكل حكومة ائتلافٌ يكفي حزب صغير لإسقاطها. وكلما تنازل زعيم يميني خرج عليه من هو أشد منه تطرفاً؛ أعاد بيغن سيناء فوُلد حزب «هتحيا»، وانسحب شارون من غزة فنشأ سموتريتش، وتحالف بينيت مع حزب عربي فصعد بن غفير. أما رابين، موقّع أوسلو، فدفع حياته ثمناً. ثم احتاج نتنياهو، المحاصر بتهم الفساد، أصوات أقصى اليمين، فجمع قائمتي سموتريتش وبن غفير وأدخلهما الحكومة عام 2022. مُنعت حركة كاخ من الترشح عام 1988، ولكن وريثها بن غفير اليوم وزير للأمن القومي.


ولم يكن اليسار نقيض اليمين، بل باني البيت الذي ورثه. في عهده هُجّر نحو 700 ألف فلسطيني، وبدأ الاستيطان في الضفة. ودافع عن السلام بحجة الأغلبية اليهودية لا المساواة، فكان كل فشل له هدية لخصمه. ولم يعترف بجريمة التأسيس، فبقي، كما يقول الإسرائيليون عنه، «يطلق النار ويبكي». وفي زمن الخوف، يفضّل الناخب من يضرب بلا تردد على من يضرب ثم يتألم.


والأرقام تشهد بذلك. استطلاع القناة 13 الأخير يمنح المعارضة 54 مقعداً ومعسكر نتنياهو 50، ولا أحد يبلغ 61. لكن من يقود المعارضة يمينيون جنرالات، أبرزهم غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، القائل: «دولتان لشعبين خطأ»، و»أنا مع الاستيطان وضد الدولة الفلسطينية»، ويعد بإدارةٍ أكفأ للصراع لا بإنهائه. وأقصى اليمين صاعد نحو 15 مقعداً. أما فلسطينيو الداخل فيقترعون في ديمقراطية تمنحهم الصوت وتحرمهم الشراكة.


سنفرح بسقوط نتنياهو، عدو الأردن، لكن نظام الائتلاف يُبقي باب عودته مفتوحاً، فالمعارضة لا تبلغ الأغلبية إلا بالأحزاب العربية، وبعض أطرافها يرفض ذلك. وإن عاد، فعلى رأس حكومة أشد يمينية.


أردنياً، الرهان على تبدّل الوجوه في تل أبيب خطأ استراتيجي. على عقل الدولة الأردنية أن ينطلق من أن إسرائيل نفسها، لا نتنياهو وحده، دولة معادية، رغم المعاهدة. والشواهد ماثلة: اقتحامات متصاعدة للأقصى تمس الوصاية الهاشمية، وخطاب يميني يطرح الأردن «وطناً بديلاً»، وضغط على الضفة يدفع نحو التهجير، إضافة إلى ضغط في ملف المياه، وقد يلحق به الغاز مستقبلاً. ولا يصح الاطمئنان إلى المظلة الأمريكية، ويُنسب إلى كيسنجر قوله: «قد يكون خطراً أن تكون عدواً لأميركا، لكن أن تكون صديقاً لها أمرٌ قاتل».


المطلوب: فكّ الارتهان لإسرائيل في الماء والغاز عبر مشروع الناقل الوطني، وتحويل الوصاية إلى ملف دولي وقانوني دائم، وبناء تحالفات عربية ودولية تجعل المساس بالأردن مكلفاً، ودعم صمود الفلسطينيين على أرضهم، وهذا خط الدفاع الأول عن حدودنا.


جنابك، الدولة التي وصفها مؤسسها بأنها «أمرٌ استعماري» لا تواجهها بالأمنيات، بل بدعم عملي لفلسطيني باقٍ على أرضه، ومبادرة فلسطينية بالمطالبة بالحقوق المتساوية ضغطاً سياسياً وحقوقياً، وأردن يقف خلفهما بعقل إستراتيجي جديد.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية