أبو هنيّة يكتب: فرضية الإسلام والإرهاب: استراتيحية فرض معرفة امبريالية وهيمنة استعمارية
حسن أبو هنيّة
يوصف الإسلام بالعنف والتطرف والتعصب في الأدبيات الاستشراقية والثقافوية الغربية، وتعد الصلة بين الإسلام والإرهاب بداهة معرفية في حقل دراسات الإرهاب، فلطالما عرّف الإسلام تاريخياً كنقيض ابستمولوجي للفلسفة الغربية الحداثية الليبرالية والدولة القومية العلمانية الوستفالية، وكتحد جيوسياسي للهيمنة الإمبريالية الاستعمارية، وتقتضي المهمة الحضاروية الغربية منع انبعاث كينونة مسلمة مستقلة، وفي سياق تشكل الذات الغربية العلمانية على أنقاض الديانية، بات الدين قريناً للعنف والإرهاب وربطت العلمانية بالسلام والاستقرار، وهكذا أصبحت الصلة بين الإرهاب والدين عموماً والإسلام خصوصاً مسلمة معرفية وبداهة طبيعية وتاريخية، وفي حقيقة الواقع لا يعدو مفهوم "الإرهاب" عن كونه استراتيحية خطابية حداثية استعمارية تستخدمه الدول القومية العلمانية الغربية البيضاء كأداة للهيمنة والسيطرة والإخضاع ولتأكيد ديمومة حق تقرير البيض، وتصنف أي مقاومة للهيمنة الغربية الاستعمارية كعمل إرهابي,
في سياق تعميم وكوننة المعرفة الإمبريالية الاستعمارية بريط الإسلام بالإرهاب من النادر تحدي الإطار الابستمولوجي الغربي، والتشكيك بصحته وصلاحيته، فحسب أبرز وأشهر علماء الإرهاب في الغرب، مثل ديفيد رابوبورت في مقالته التأسيسية "الخوف والارتجاف: الإرهاب في ثلاثة تقاليد دينية"، ووالتر لاكوير في كتابه "الإرهاب الجديد: التعصب وأسلحة الدمار الشامل"، وبروس هوفمان في كتاب "من داخل الإرهاب"، ومارك يورغنسماير، "الإرهاب في عقل الله: الصعود العالمي للعنف الديني" وماغنوس رانستورب، في مقاله "الإرهاب باسم الدين"، فهولاء الخبراء الغربيين من منتجي المعرفة الاستشراقية المزعومين فضلاً عن غيرهم من مخبري الاستشراق الذاتي من الشرقيين، يؤكدون على أن للإرهاب والدين صلة طبيعية وتاريخية، حيث يجسد الإسلام الصلة الأوثق للعلاقة المفروضة، ولا يزال هذا الافتراض شائعًا، ونادرًا ما يُشكك فيه، وعادةً ما يُؤطر كمعرفة بديهية في دراسات الإرهاب، وهو ما يعد مسلمة بدهية في الدراسات الاستشراقية والثقافوية وفي مجال العلاقات الدولية بشكل عام، ومن الأعمال المرجعية المعاصرة التي ساهمت في هذا الافتراض الشائع خارج نطاق دراسات الإرهاب كتابات برنارد لويس، "أزمة الإسلام: حرب مقدسة وإرهاب غير مقدس"، وصموئيل هنتنغتون، "صدام الحضارات"، وفرانسيس فوكوياما، "نهاية التاريخ"، ويرتبط ذلك ارتباطًا وثيقًا بالافتراض الشائع والمسلم به، السائد في دراسة العلاقات الدولية، بأن للدين ميلًا طبيعيًا للحرب والعنف بشكل عام، حيث تفرض الصلة الطبيعية المفترضة بين الدين والإرهاب، وتلك هي الأسس التي استندت لها فئة ما يسمى "الإرهاب الديني" التي توصف بطبيعتها القاتلة والخطيرة وغير القابلة للتفاوض والعدمية بشكل استثنائي، وهي فئة حسب علماء الإرهاب، تميز نفسها عن الإرهاب العلماني,
إن الرواية السائدة حول "الإرهاب الديني الإسلامي"، تستند إلى المعرفة الاستعمارية وجهازها الاستشراقي، وهي معرفة تسعى إلى توظيف المعرفة لخدمة أهداف استعمارية.، إذ تتمحور الحجة الرئيسية للاستشراق حول مسائل معرفة الآخر، وإنتاج هذه المعرفة، والدوافع الكامنة وراء نشرها في الغرب. حيث يرى إدوارد سعيد في كتابه الفريد "الاستشراق" أن إنتاج واكتساب المعرفة عن الشرق، أو الآخر من الشرق، ليس موضوعيًا ولا محايدًا. بل هو نتاج عملية تعكس مصالح خاصة ونظرة عالمية غربية مركزية، ويؤكد سعيد على أن الغرب - أوروبا والولايات المتحدة - ينظر إلى بلدان الشرق من خلال عدسة تشوه واقع تلك الأماكن وسكانها. ويطلق على هذه العدسة التي ينظر الغرب من خلالها إلى ذلك الجزء من العالم اسم "الاستشراق"، وفي كتابه "تغطية الإسلام" يبين سعيد كيف يروّج الإعلام والخطاب الأكاديمي والسياسي في الغرب لصورة نمطية مشوهة تختزل العرب والمسلمين في صورة "الإرهابيين" أو "المتعصبين" أو مجرد "مصادر للنفط"، وليس كبشر أصحاب تاريخ وثقافة وحياة طبيعية، ولم ينحو سعيد من تهمة الإرهاب حيث وصف بأنه "فيلسوف الإرهاب"، وهكذا تعمل أطروحة الإرهاب الديني الإسلامي كأحد عناصر الاستعمار وحهازه الاستشراق ، وهي أطروحة تقوم على مركزية غربية عنصرية تساعد الغرب على تعريف نفسه بالنفي. وهو ما يُبرر ممارسات مكافحة الإرهاب المعاصرة المثيرة للجدل، والتي أقرتها الدول الغربية وغير الغربية على حد سواء ردًا على ما نعت بـ "الإرهاب الإسلامي"، ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر جرى التشديد على الطابع الخطير والمتصلب لـ"الإرهاب الديني الإسلامي"، في حقل دراسات الإرهاب، وتم تصوير الإرهابي الديني الإسلامي على أنه شخص متعصب للغاية وغير قابل للتفاوض في مجال مكافحة الإرهاب المعاصرة، ولا غرابة أن الدراسات السائدة في حقل الإرهاب تركز على الإرهاب "الديني الإسلامي" بعد قولبة الإسلام وحشره في جوهرانية مصمته وكينونة عنيفة غير عقلانية مناهضة للدولة القومية العلمانية، أي العقلانية والحداثة والوستفالية، والتي زعم أنها تجاوزت "الدين"، الذي قيل أنه تسبب في العنف والفوضى والحرب في دولة أوروبا ما قبل الحداثية,
تشير عملية ربط الإرهاب بالديني وتبرئة العلماني إلى إيديولوجية علمانية استعمارية، فالاستعمارية حسب أنيبال كويجانو، ووالتر مينولو، هي الجانب غير المعلن، الخفي، ولكنه التأسيسي للحداثة. إذ يُمكن فهم الحداثة نفسها على أفضل وجه على أنها "سردية مُعقدة تبني الحضارة الغربية من خلال الاحتفاء بإنجازاتها مع إخفاء جانبها المُظلم، "الاستعمارية"، وكما يُشير مينولو، فلا حداثة بدون استعمار، فـ"الحداثة" التي تستمد منها أوروبا هويتها الذاتية "متشابكة بعمق في هياكل الهيمنة الاستعمارية الأوروبية على بقية العالم لدرجة أنه من المستحيل الفصل بينهما"،.فالحداثة ليست دلالة محايدة على عصر ما، بل تحمل في طياتها تصورات وأفكارًا مُشكلة تعمل على إعادة ترسيخ التفوق الغربي في مواجهة الدونية غير الغربية، وهو ما يظهر الطابع الاستعماري لنظرية الإرهاب الديني ووظيفتها في الحداثة الغربية التي طالما نعتت مقاومتها بالإرهاب،
يشكل الطابع الاستعماري لنظرية الإرهاب الإسلامي حجر الزاوية للمعرفة والسلطة الإمبريالية الغربية، وكما جادل جاكي أساياغ، على مدى قرنين على الأقل، مارست الدول الغربية عنفًا "خيريًا" من خلال الاستعمار. وقد رُوِّج لهذا العنف آنذاك باسم "مهمة حضارية" غربية، واستُلهم من علم الآخرة، مُستحضرًا وعد الخلاص لكلٍّ من المُستعمِر والمُستعمَر. إن إعلان "الحرب على الإرهاب" بعد هجمات الحاجي عشر من سبتمبر في نيويورك، والعمليات العسكرية اللاحقة في أفغانستان والعراق، يُحيي هذا التقليد من "التدخل التحسيني" عبر استحضار المفاهيم الاستشراقية القديمة . وبدلًا من أن تُزيل هذه الحروب الجديدة الفجوة الكبيرة بين الغرب وبقية العالم ، فإنها تُعزز وتُعمِّق الانقسام بين "المتحضرين" و"البرابرة" في عصر "العولمة". إن الأيديولوجية المتنامية للأمريكيين، والتي ترى أنه لم يعد هناك مجال لـ"الخارج" و"الداخل" لأن لا بلد في مأمن من الإرهاب، تُخفي ظاهريًا (ولكن فعليًا أيضًا) "المعاصرة الاستعمارية". اليوم، تسود نظرة قاتمة للعولمة، رؤية لحربٍ طاحنة بين عالمين، تمتد عبر جميع القارات وتجسدها الولايات المتحدة الأمريكية و"إمبراطورية الشر"، التي يجسدها الإرهاب الإسلامي. مع ذلك، لا يفعل هذا النظام الجديد شيئًا سوى إحياء مخططات قديمة، قديمة قدم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها،
إن الحداثة الغربية التي تتجسد في العلمانية وبنية الدولة القومية التي نهضت على أسطورة "وستفاليا" تأسيسية في فهم أصول أطروحة الإرهاب الديني، وما يُسمى بالحروب الدينية في أوروبا، والتي يُقال إنها انتهت بصلح وستفاليا، الذي فصل الكنيسة عن سلطة الدولة وأنشأ الدولة القومية العلمانية الحديثة في أوروبا. وكما يشير وليام كافانو في كتابه "أسطورة العنف الديني: الأيديولوجية العلمانية وجذور الصراع الحديث"، فقد شكك المؤرخون منذ ذلك الحين في الرواية السائدة القائلة بأن حرب الثلاثين عامًا كانت بالفعل "دينية"، ومع ذلك، فقد عملت هذه الرواية كشرعية أيديولوجية للدولة القومية الحديثة في أوروبا، وبالتالي تُشكل عنصرًا أساسيًا في تعريف ظهور الحداثة الغربية، والتي هي الحداثة الاستعمارية، ويحاجج كافانو بالقول: إنّ السعي لتعيين مفهوم، عابر للثقافة والتاريخ، لـ"الدين" بوصفه يمتلك نزوعاً أصلياً لإنتاج العنف، هو واحد من الأساطير المؤسسة لشرعيّة الدولة القوميّة الليبرالية في المجتمعات التي يطلق عليها "غربيّة"، ذلك أنّ أسطورة العنف الديني تساعد في تأسيس فكرة الآخر الديني ومن ثمّ تهميشه، حيث يصبح الميل للتعصّب هو الوجه المقابل للذات العقلانية، الحريصة على السلام، والعلمانية، ويمكن أن تُستعمل هذه الأسطورة، بل وتستعمل، في السياسات الداخليّة لشرعنة تهميش أنواع معيّنة من الجماعات والممارسات الموصوفة بـ"الدينية"، في الوقت الذي تُصادق فيه على احتكار الدولة القوميّة لاستعداد مواطنيها للتضحية والقتل. على مستوى السياسة الخارجيّة، وبهذا تُستخدم أسطورة العنف الديني لقولبة الأنظمة الاجتماعية غير العلمانية، بالأخصّ المجتمعات المسلمة، في قالب "الشرير"، فهم لم يتعلّموا بعد ضرورة نزع الآثار الخطيرة للدين من الحيّز السياسي، ومن ثمّ فإنّ عنفهم غير عقلانيّ ومتعصّب، أمّا عنفنا، العلماني، فهو عنف عقلاني، يسعى للسلام، وهو مع الأسف عنفٌ ضروريّ لاحتواء عنفهم، إننا نجد أنفسنا مجبرين على تفجيرهم ليصبحوا ديمقراطيين ليبراليين!، وبحسب كافانو، فإن "محاولة خلق مفهوم ديني عابر للتاريخ والثقافات، يميل في الأساس إلى العنف، هي إحدى الأساطير الأساسية التي تشرع الدولة القومية الليبرالية"، وقد أدى هذا السرد إلى ترسيخ ثنائية بين "الدين الجيد"، وهو الدين الذي يبقى في المجال الخاص ولا يهتم إلا بالروحانية الداخلية، و"الدين السيئ" وهو الذي يتدخل في السياسة، ويسبب العنف كما كان في الماضي ما قبل الحديث لأوروبا، وبينما ابتُكر الدين في أوروبا ما بعد وستفاليا منفصلًا عن العلمانية لضمان شرعية الدولة القومية والولاء لها، فقد أُعيد اختراعه خلال حقبة الاستعمار الأوروبي كأداة لإخضاع الرعايا المستعمرين في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، وفي جميع الأحوال، خدم "الدين" مشروع الحداثة الغربية الاستعماري، فخلال فترة التنوير، أعيد اختراع فئة "الديني" كشيء منفصل عن المجال العلماني للسلطة والسياسة والعلم والعقلانية ويقف في معارضة له,
إن المقارنة بين العنف الديني والعلماني تكشف عن نزعة هيمنية غير تفهمية، فالعنف الناشئ عن الأيديولوجيات العلمانية، والحروب العالمية، والأسلحة النووية لا يمكن مقارنتها بما يسمى العنف الديني، فالعنف العلماني على عكس الاعتقاد الشائع بأن الدين هو المسبب الرئيسي للحروب، كان أكثر رعباً وهولاً وتدميراً، فالعصر الحديث شهد أشكالاً غير مسبوقة من العنف المرتبط بأيديولوجيات علمانية غير دينية، فالقومية المتطرفة شكلت المحرك الأساسي للحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث استند العنف العلماني الوستفالي إلى التفوق العرقي والسيادة الوطنية وأنتح ايديولوجيات عنيفة كالنازية والفاشية، والأيديولوجيات الشمولية: كالماركسية اللينينية والستالينية في الاتحاد السوفيتي، والماوية في الصين، وهي ايدولوجيات أنتجت عنفاً داخلياً وخارجياً واسع النطاق تسبب في مقتل عشرات الملايين باسم "التقدم المادي" وأدت الهندسة الاجتماعية العلمانية.الليبرالية القسرية إلى استخدام القوة العسكرية من قبل قوى علمانية ديمقراطية لفرض "النظام العالمي الجديد" أو "نشر الديمقراطية"، وهو ما يراه بعض الفلاسفة أمثال طلال أسد شكلاً من أشكال العنف العلماني المشرعن دولياً، وقد جسدت الحروب العالمية ذروة العنف العلماني المنظم باستخدام القوة الصناعية للدول الحديثة.الحرب العالمية الأولى (1914-1918): نتجت عن صراع القوى الإمبراطورية والتحالفات السياسية العلمانية، وأدت إلى سقوط ملايين الضحايا باستخدام أسلحة كيميائية واستخدمت تكتيكات حرب الخنادق. في الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، وصولاً إلى استخدام أمريكا للأسلحة النووية، كل ذلك كان نتاج صدام بين أيديولوجيات علمانية كبرى (الفاشية، الشيوعية، والديمقراطية الليبرالية). التي تميزت بـمقهوم "الحرب الشاملة" التي لم تفرق بين مدني وعسكري، وبلغت ذروتها في المحرقة (الهولوكوست) وقصف المدن، وما تقوم به المستعمرة الصهيونية اليوم في فلسطين وغزة على وجه الخصوص من عمليات إبادة جماعية وتطهير عرقي تقف شاهداً على بؤس الغرب الاستعماري الذي بقف إلى جانب دولة الإبادة والإرهاب,
تستند فرضية الإرهاب الديني الإسلامي إلى مقاومته للدخول في أفق الحداثة العلمانية والمركزية الغربية، ورفضه التحول غلى شاكلة الدين المسيحي بنسخته البروتستانتية، الذي يقوم على تأكيد التفوق الأوروبي، فماهية الدين الحديث قائم على النموذج المسيحي، وتحديدًا البروتستانتي، فالدين المقبول يجد "أوضح مظاهره وأكثرها تطورًا في النماذج الأوروبية"، وجميع الأديان الأخرى خارج أوروبا تُشكل في أحسن الأحوال "نسخ أولية، أو أشكالًا قديمة أو بدائية للدين"، وحسب حوزيف مسعد فإن العمليّة التبشيريّة الغربية تهدف إلى تحويل المسلمين والإسلام إلى الليبراليّة الغربيّة ونظامها القيمي بِعَدِّهِ النظام الوحيد العادل والعاقل الذي ينبغي على كوكب الأرضِ بأكملهِ تبنيَهُ. وكما بيّن طلال أسد، فإن مهمة الليبراليّة تتمثل في "إعادة تشكيل" التقليد الإسلامي "على شاكلة المسيحيّة البروتستنتيّة الليبراليّة." وهي تُصوّر مقاومة المسلمين لهذه المهمة الجليلة على أنها رفضٌ للحداثة ولقيم الليبراليّة كالحرّيّة، والتحرّر، والمساواة، والحقوق المدنيّة، والمواطنة الديمقراطيّة، وحقوق النساء، والحقوق الجنسيّة، وحرّيّة العقيدة، والعلمانيّة، والعقلانيّة، إلخ، أو هي باختصارٍ مرضٌ أو نوعٌ من العصاب لا يستحق أن يُهزَم فحسب بل أن يخضع للتحليل النفسيّ أيضا. وهكذا، فإنّ رفض المسلمين اعتناق الليبراليّة طوعاً، أو اعتناق أنماطٍ من الإسلام يمكن لليبراليّة التسامح معها، يستوجبُ إجبارُهم عليها ولو بقوة السلاح، حيث أن مقاومَتهُم هذه تهدد قيمةً مركزيةً لليبراليّة، تتمثلُ بكونيّتها أو ضرورة كوننتها. وقد فهم طلال أسد هذا المشروع على النحو الآتي: مع أن "سياسة العلمانيّة الخَلاصيّة" الناتجة عن عصر التنوير الأوروبيّ تدينُ أشكال العنف الديني والألم والمعاناة، كونها لا تُحررُ الخطاة والآثمين، إلا "أنها مستعدة لإلحاق الألم بأولئك الذين يُستَوجَب إنقاذُهم عبر أنسنَتِهم
إذا كانت الصلة بين الاستعمارية الأوروبية وصناعة الإرهاب جلية في التاريخ الإمبريالي الأوروبي، فإن مقولة الإرهاب الإسلامي تحول إلى إيديولوجية مركزية في عصر العولمة الإمبريالية الأمريكية، والصناعة الأبرز للاستعمار الصهيوني الاستيطاني، فصناعة الإرهاب الإسلامي شكلت بنية النظام العالمي منذ نهاية الحرب الباردة وحلول عصر الأحادية القطبية الأمريكية، حيث اخترع مفهوم "الإرهاب" لمواجهة أي مقاومة تقف في طريق الهيمنة الإمبريالية الأمريكية والسيطرة الاستعمارية الصهيونية، وأصبح "الإرهاب" مصطلح يكافئ "الإسلام" كعدو يمثل البريرية والهمجية والرجعية في مواجهة الحضارة الغربية وعقيدة التقدم الراسمالية الليبرالية، وعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر غدت سياسة الحرب على الإرهاب قيمة مشتركة بين الإمبريالية الأمريكية والاستعمارية الإسرائيلية، ومن المفارقة أن الولايات المتحدة الأمريكية والمستعمرة الاستيطانية الإسرائيلة يستندان فعلاً إلى قيم مشتركة تقوم على الإمبريالية والكولونيالية وفكرة الاستعمار الاستيطاني ونهجه القائم على الإرهاب والإبادة والتطهير العرقي، فقد قامت المستعمرة الاستيطانية الصهيونية في فلسطين على أسس إرهابوية عنيفة، حيث انخرط الصهاينة اليهود بتشكيل عصابات منظمة، مارست كافة أشكال الإرهاب وارتكبت شتى أصناف الإبادة الجماعية ونفذت عمليات قتل ممنهج واقترفت جرائم تطهير عرقي بحق الشعب الفلسطيني,
منذ اللحظات الأولى لعملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023 الذي شنته فصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، داخل المستوطنات الإسرائيلية في غلاف قطاع غزة المحتل،أصبحت مفردة "الإرهاب" الكلمة السحرية الأكثر تداولاً على ألسنة قادة كيان الاحتلال الصهيوني وفي مقدمتهم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وسرعان ما ترددت كلمة "الإرهاب" على ألسنة رعاة المستعمرة الصهيونية من الإمبرياليين الغربيين وفي طليعتهم الرئيس الأمريكي السابق جو يايدن والرئيس اللاحق دونالد ترامب، وأصبحت مقولة "الإرهاب الإسلامي" سلعة رائجة، وتعد القضية الفلسطينية نموذجية في كشف الوظيفة الايدلوجية لمفهوم الإرهاب، حيث تصنف حركات المقاومة الفلسطينية على اختلاف توجهاتها على لوائح الإرهاب،بينما توصف ممارسات الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني القائم على الإبادة والتطهير العرقي والإرهاب، بالدفاع عن النفس,
تكشف الحالة الفلسطينية بصورة فجة بؤس مفهوم الإرهاب حيث تستخدمه القوى الإمبريالية الغربية والاستعمارية الصهيونية لأغراض الهيمنة والسيطرة، حيث تصنف المقاومة الفلسطينية الإسلامية وحتى الوطنية حركات إرهابية، بينما لا نجد تصنيفات إرهابوية للدولة والحركات اليهودية الاستعمارية، رغم أن الإرهاب الصهيوني موثق بصورة جلية دون لبس، فحسب توماس سواريز في كتابه "دولة الإرهاب: كيف خلق الإرهاب إسرائيل الحديثة"، مارس الكيان الصهيوني الإرهاب على أساس يومي تقريباً منذ العام 1937، في الوقت نفسه الذي كان فيه البلطجية النازيون يرهبون اليهود الأوروبيين، حيث نفذت العصابات الصهيونية المشكلة من الغرباء اليهود "حملات محسوبة من الإرهاب" ضد الفلسطينيين الأصليين، وفي هذه الحملة، قد تعرض الفلسطينيون للذبح والتشويه والترويع بلا رحمة جراء التفجيرات المتكررة أو الهجمات بالبنادق الرشاشة والقنابل اليدوية على المقاهي الفلسطينية وعلى "المارة العرضيين"، وعلى السيارات والحافلات الفلسطينية وقطارات الركاب ودور الأيتام والمدارس والمتاجر والأسواق والأحياء العربية. وأغارت العصابات اليهودية على القرى العربية، وزرعت الألغام الأرضية، وأعدمت بدم بارد على غرار النازية القرويين المحاصرين، وضاعفت عصابة الإرغون العسكرية القومية الإرهاب من خلال التهديد بـقطع الأيدي العربية التي ترتفع ضد القضية اليهودية، فالكيان الاستعماري الصهبوني تشكل عن مجموعة عصابات إرهابية تحولت إلى جيش بنيت عليه الدولة وتأسس حوله المجتمع، فجوهر الأمة _ الكيان الذي أصبج دولة هو جيش/ عصابة،وتعود جذور الإرهاب اليهودي المعاصر إلى الحركات المتطرفة والأفراد المتشددين الذين تجولوا في أرجاء فلسطين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وهو ما وثقه كتابان، وهما: "جنود مجهولون: الكفاح في سبيل إسرائيل، 1917-1947" لبروس هوفمان، و"تصفية الحساب: الموت والمكيدة في الأرض الموعودة –قصة بوليسية حقيقة" لباتريك بيشوب، ورغم حرب الإبادة الصهيونية المستمرة في غزة المدعومة من الغرب والولايات المتحدة والتي أفضت ألى قتل نحو 80 الف فلسطيني معظمهم من الأطفال والنساء، وتدمير قطاع غزة على نحو ممنهج واستهداف المساجد والمستشفيات والمدارس وكل شيء، فإن الغرب لا يعتبر الممارسات الإبادية وعمليات قتل المدنيين أعمال إرهابية، بل يضعها في باب الدفاع عن النفس,
لا جدال أن صناعة الإرهاب الإسلامي إيديولوجية غربية أمريكية اسرائيلية، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي بنى بنيامين نتنياهو مجده الشخصي والسياسي باعتباره الأب الحقيقي لصناعة حقل "الإرهاب" كسلعة عالمية حيث روجت الصهيونية الاستعمارية "نظرية الإرهاب الدولي" لصالح الإمبريالية الأمريكية. فحسب وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جورج شولتز: "إن أنشطة نتنياهو العامة وكتبه عن الإرهاب كان لها تأثير حاسم في صوغ السياسة الخارجية الأمريكية"، فمفهوم "الإرهاب الدولي" منتج سياسي وأيديولوجي جديد ابتكره بنيامين نتنياهو ووالده البروفيسور بنتسيون نتنياهو في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وقد طرح هذا المنتج في البداية كتهديد وجوديً جديد للإنسانية، تمثله شبكة دولية إسلامية تديرها أذرع الأخطبوط السوفيتي العدو التقليدي للولايات المتحدة، وقد اقترحت أسرة نتنياهو على الأمريكيين استغلال الإمكانيات العاطفية الهائلة للإرهاب لصالح الإجماع على "الحرب على الإرهاب"، أي حرب علنية على العدو الشيطاني المتمثل في الإرهاب العربي المسلم.
لقد تزامن اختراع الإرهاب بوصفه العدو الرئيس للغرب بفضل الاستعمار الاستيطاني اليهودي مع صعود المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، حيث بدأت الإدارة الأمريكية بتحويل الإرهاب إلى أيديولوجية سياسية، وفصله عن دراسة العنف السياسي حسب ليزا ستامبنيتسكي وهي أستاذة في جامعة شيفيلد ومؤلفة حائزة على جوائز حول كتابها "تأديب الإرهاب: كيف اخترع الخبراء "الإرهاب"، حيث تحول المنهج الأكاديمي في التعامل مع الإرهاب إلى دعاية في خدمة الحكومة، فـ"الإرهاب" ليس تسمية محايدة للعنف السياسي، بل هو مبني اجتماعيًا وتاريخيًا بطرق لها آثار مهمة، وأحد هذه الأسباب هو أن هناك ميلًا إلى فهم الأفعال التي توصف بأنها "الإرهاب" على أنها ناجمة عن شكل من أشكال الهوية الجوهرية، بدلاً من كونها ناشئة عن ظروف اجتماعية وتاريخية وسياسية معينة، إذ يتم تعريف الإسلام والمسلمين على أنهم "سبب" الإرهاب، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الطريقة التي يتم بها تعريف "الإرهاب"، وأنواع الأحداث التي يتم تعريفها أو عدم تعريفها على أنها "إرهاب"، حيث من المرجح أن يتم تصنيف الهجمات التي يرتكبها مسلمون على أنها "إرهاب" مقارنة بالهجمات المرتكبة من قبل غير المسلمين، وإحدى نتائج هذا الخطاب، هي أن "المسلمين" أنفسهم تم تعريفهم على أنهم مشكلة، ونحن نشهد الآن رغبة أكبر في النظر إلى جميع المسلمين باعتبارهم مشكلة..
عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر تُوج مشروع نتنياهو الإبن السياسي بتنفيذ جورج بوش الابن أيديولوجيته، وأصبحت إيديولوجية الحرب على الإرهاب الإسلامي قيمة أمريكية _ إسرائيلية مشتركة كما بيّن ريمي برولان في كتابه "الخطاب الأمريكي حول الإرهاب: التأسيس، والتطور وسياق التلفظ (1972ـ1992)، ولم تكن الإمبريالية الأمريكية بحاجة إلى خطابات الاستعمارية الصهيونية حول الإرهاب، لتبرير خطاب استعلائي عنصري تجاه الفلسطينيين ومن خلفهم العرب والمسلمين، فالكراهية الغربية العميقة المتأصلة للإسلام والمسلمين عموماً والعرب خصوصاً، تسند إلى سياسات الهوية الصلبة، إذ يعرّف الغرب العلماني نفسه بنسخته المسيحية ـ اليهودية المحدثة كنقيض للإسلام كدين وشكل حياة، فالإسلام إبان قوته ولا يزال راهن ضعفه يشكل للغرب هاجساً مقلقاً باعتبار الإسلام كينونة مناهضة للغرب كنقيض إبستمولوجي وتحدي جيوسياسي، إذ تهدف السردية الخطابية الإمبريالية الصهيونية بنزع صفة الإنسانية عن الفلسطينيين إلى تبرير عمليات القتل والإبادة,
تكشف المسالة الفلسطينية وحالة المقاومة الإسلامية عن ذاتية مصطلح "الإرهاب" وغير موضوعيته، إذ يشكل مصطلح "الإرهاب" دالاً سياسيًا، لا تجمعه بالضرورة علاقة تناسب طبيعية بالمدلول، ويرتبط بإرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، وهو خطاب أدائي للسلطة السيادية في علاقات القوة، يرتبط بالمصالح الجيوسياسية كتوظيف سياسي، إذ تستخدم الولايات المتحدة مصطلح "الدولة الراعية للإرهاب"، ضد الكيانات السياسية المعارضة للتوجهات الأمريكية، وهوية الإرهابي رهن التسمية وليس الفعل في سياق خطابي تحدده المصالح القومية، وفي الوقت الذي يصعب من الناحية النقدية وصف المقاومة الفلسطينية بالإرهابية، يمكن بسهولة وصف إسرائيل دولة إرهابية، وكانت بوليفيا قد أدرجت فعلاً الكيان الإسرائيلي على قائمتها للدول الإرهابية، فـ"الإرهاب" تسمية مفروضة وغير مفترضة واستراتيجية القوى الغاشمة للهيمنة والسيطرة وترتبط بهوية الفاعل وليس الفعل، وتنفرد الحالة الفلسطينية بالاجماع والتوافق الأمريكي حول هوية "الإرهابيين". فلطالما اتفق الديمقراطيون والجمهوريون على أن الفلسطينيين هم مرتكبو الأعمال الإرهابية، وليسوا أبدًا ضحاياها، فيما اعتبروا أن الإسرائيليين هم دائمًا ضحايا الإرهاب، وقد. تحول "الإرهاب" الذي اخترعه الغرب الإمبريالي والاستعمار الصهيوني كما يقول جاك دريدا "إلى مصطلح متداول يطلقه كل فاعل على أعدائه، إلى اتهام متبادل، استفاد من الخلط والفوضى الذين واكبا نشأة و تطور استخدام المفهوم ومعلوم أن "من يطلق الأسماء على الأشياء فهو يمتلكها"، ولذلك ترفض القوى الغربية الاستعمارية وخبرائها تحديد ماهية الإرهاب واعتماد تعريف محدد في منظمة الأمم المتحدة، إذ نجد عند مسح الأدبيات الأكاديمية أكثر من 100 تعريف مختلف للإرهاب يستخدمها علماء الإرهاب، ومع ذلك، يتفق معظم علماء الإرهاب عادةً على بعض العناصر الأساسية التي تُشكل جوهر "الإرهاب" كمفهوم سياسي، مثل نيته السياسية، وأسلوبه العنيف، واستهداف المدنيين أو المواقع المدنية أو التهديد باستهدافهم، عادةً لإثارة الخوف و/أو الرعب، وفي حال الاعتراف بهذا التعريف فإنه سيتطابق مع ممارسات الدول الغربية الامبريالية وسلوك المستعمرة الاستيطانية الصهيونية.
خلاصة القول أن الإرهاب بأشكاله المختلفة لا يرتبط كثيرًا بالأيديولوجيات الدينية عمومًا، وبالدين الإسلامي خصوصًا، بل يرتبط أكثر بالسياسات الاستعمارية والاستعمارية الجديدة للإمبراطورية في المستعمرات، وما بعد المستعمرات، والأراضي المحتلة من قبل الجيش الأمريكي وحلفائه، وهو مع ممارسات الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الذس يمارس الإرهاب بصورة يومية ممنهجة ضد الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة في لبنان وسوريا وغيرها من البلدان الغربية والإسلامية من خلال مؤسساته العسكرية والأمنية وقطعان مستوطنيه، ورغم انفضاح رؤى الاستشراق القديم، لكنه أخذ في الاستشراق الجديد شكلاً مراوغاً من خلال خطابات تبدو ظاهريًا مؤيدة لمناهضة للعنصرية والتعددية الثقافية، إلا أنها في الوقت نفسه تُنتج ذات المنطق والانفعالات اللازمة لإضفاء الشرعية على السياسات والممارسات العنصرية التي تتجسد في "الإسلاموفوبيا " التي باتت سائدة في الغرب وشائعة في وسائل الإعلام الغربية، والتي تُضفي الشرعية على سياسات الموت الإمبريالية، ولذلك فإن ربط الإسلام بالإرهاب، والمسلمين بالإرهابيين، يُظهر ثمار "الإسلاموفوبيا"، ويحدد امبريالية المعرفة الغربية حول مفهوم الإرهاب الإسلامي بهدف الهيمنة والسيطرة على الخطابات والسرد وفي ساحات التصعيد والحرب.







