ساعة الصفر التي يهرب منها الجميع اقتربت
قال رئيس وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الدراسات الإقليمية، الأستاذ الدكتور نبيل العتوم، إن اتجاه السلطات الإيرانية إلى تشكيل كتائب شعبية مسلحة وتكثيف برامج التعبئة والتدريب يعكس استعدادًا لسيناريوهات تتجاوز احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، لتشمل حرب استنزاف طويلة الأمد، ومحاولات لتحصين النظام من تداعيات الضربات الخارجية والاضطرابات الداخلية.
واعتبر أن هذه التحركات تكشف عن مقاربة إيرانية تجمع بين الاستعداد الميداني لأي تصعيد محتمل، وإعادة تنظيم أدوات السيطرة الأمنية، بما يضمن بقاء الجبهة الداخلية تحت رقابة مشددة في مرحلة تتزايد فيها الضغوط على القدرات العسكرية ومراكز القرار.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الحديث عن تشكيل أكثر من ألف كتيبة شعبية يعد مؤشرًا على أن طهران تضع احتمال اتساع الحرب أو تنفيذ عمليات برية محدودة ضمن حساباتها الاستراتيجية، حتى إن لم يكن هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا في تقديراتها المعلنة، مشيرًا إلى أن الأنظمة التي تواجه تفوقًا عسكريًا خارجيًا قد تلجأ إلى توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في المواجهة، بهدف تحويل أي تقدم ميداني للخصم إلى عملية مكلفة ومعقدة، لا تُحسم بمجرد التفوق في القوة النارية أو السيطرة على المجال الجوي.
وبيّن العتوم أن الرهان الإيراني، وفق قراءته، يقوم على نقل المواجهة من ساحة الاشتباك العسكري التقليدي إلى بيئة اجتماعية وأمنية أكثر تعقيدًا، بحيث يصبح أي تدخل بري محتمل محكومًا باعتبارات المدن والأحياء والمنشآت الحيوية، فضلًا عن صعوبة الفصل بين الأهداف العسكرية والبيئة المدنية المحيطة بها، وفي هذا السياق، فإن انتشار الأسلحة الفردية، والتدريب على استخدام البنادق الهجومية والقذائف المحمولة، وتشكيل مجموعات محلية مسلحة، قد يهيئ بيئة ملائمة لحرب استنزاف تعتمد على الحركة داخل المناطق الحضرية، والكمائن المحدودة، ومراقبة التحركات، وإعاقة تقدم القوات المهاجمة.
ولفت إلى أن هذا النمط من التعبئة قد يؤدي وظيفة إضافية تتمثل في تعويض جانب من النقص البشري الذي قد ينشأ عن الخسائر التي تتعرض لها القوات النظامية والقيادات العسكرية والبنية الدفاعية، فاستدعاء المتطوعين، يوفر احتياطًا بشريًا يمكن توظيفه في حماية المنشآت والمواقع الحساسة، وتأمين المرافق الاستراتيجية، وتوزيع الأعباء الأمنية على تشكيلات متعددة، بما يتيح للقوات النظامية التركيز على مهام أخرى داخل مسرح العمليات.
غير أن العتوم حذّر من أن توسيع نطاق التعبئة المسلحة قد ينطوي على مخاطر تتجاوز حسابات المواجهة الخارجية، خصوصًا إذا جرى توظيف المتطوعين في حماية المنشآت النووية والاستراتيجية أو استخدام وجودهم لتقييد خيارات الخصم العسكرية، مرجحًا أنه لا يستبعد أن يسعى النظام الإيراني إلى وضع مجموعات من المتطوعين في محيط منشآت حساسة، من بينها فوردو ونطنز وأصفهان، بما قد يحول وجودهم إلى عامل ضغط سياسي وعسكري في حال استهداف تلك المواقع. وتبقى هذه القراءة تقديرًا لاحتمالات الاستخدام، لا تأكيدًا على اتخاذ قرار فعلي بنشر المتطوعين دروعًا بشرية.
وفي استحضاره للتجربة التاريخية، أشار إلى أن توظيف التعبئة العقائدية في إيران ليس ظاهرة مستحدثة، مستذكرًا ما رافق الحرب العراقية الإيرانية من تعبئة واسعة استندت إلى خطاب ديني يصوّر التضحية بوصفها واجبًا يتجاوز الحسابات الفردية، لافتًا إلى أن هذا الإرث لا يزال حاضرًا في بعض أنماط الخطاب التعبوي، الذي يربط المواجهة بمفاهيم الشهادة والفداء والاستعداد للتضحية، بما يضفي على المشاركة العسكرية معنى أيديولوجيًا يتجاوز مفهوم الخدمة الدفاعية التقليدية.
وبيّن أن خطورة هذا المسار تكمن في إمكانية تحويل الأفراد إلى أدوات في استراتيجية استنزاف طويلة، إذا جرى تغليب التعبئة العقائدية على تقدير المخاطر الفعلية التي يواجهها المتطوعون، فحين تُقدَّم المواجهة باعتبارها معركة وجودية أو مهمة ذات غايات دينية مطلقة، قد تتراجع المسافة بين الاستعداد للدفاع عن الوطن والاستعداد لتحمل خسائر بشرية جسيمة، الأمر الذي يجعل الخطاب المستخدم في تجنيد المتطوعين عنصرًا أساسيًا في فهم طبيعة الاستراتيجية الإيرانية، وحدود استعدادها لتحمل كلفة التصعيد.
الجبهة الداخلية.. الهدف الآخر للتعبئة
وفي قراءته للأبعاد الأمنية لهذه الخطوة، ذكر العتوم أن الكتائب الشعبية قد لا تكون مخصصة جميعها للقتال على خطوط المواجهة، بل يُرجح، وفق تقديره، أن يُسند إلى جزء منها دور داخلي يتصل بحراسة المنشآت، ومراقبة التحركات، ومواجهة ما تصفه السلطات بأعمال التخريب، والتعامل مع الاحتجاجات المحتملة، مستطردًا أن هذا التداخل بين الدفاع الخارجي وضبط الداخل يكشف عن أحد الأهداف المركزية للتعبئة، والمتمثل في منع الضغوط العسكرية من التحول إلى أزمة سياسية وأمنية تهدد تماسك النظام من الداخل.
وأضاف أن توسيع دور قوات البسيج وإعادة تنظيم شبكاتها قد يمنح السلطات الإيرانية قدرة أكبر على مراقبة المجتمع، وتعزيز اختراقها للبيئات المعارضة، وتنظيم تحركات مضادة في حال اندلاع احتجاجات واسعة، مضيفًا أن النظام، في ظل تعرضه لضغوط خارجية، قد ينظر إلى الاحتجاجات الداخلية باعتبارها تهديدًا موازيًا لا يقل خطورة عن الهجمات العسكرية، إذ يمكن لأي اضطراب اجتماعي أن يستنزف الأجهزة الأمنية، ويشتت انتباه القيادة، ويخلق ظروفًا أكثر تعقيدًا أمام إدارة الحرب.
وشدد العتوم على أن هذا المسار يضع التعبئة الشعبية في منطقة تتداخل فيها الوظائف العسكرية والأمنية والسياسية؛ فالمتطوع الذي يُقدَّم باعتباره عنصرًا في الدفاع عن الوطن قد يُكلَّف أيضًا بمهام ترتبط بحماية النظام ومراقبة خصومه في الداخل، ومن هنا، فإن تقييم هذه الكتائب لا ينبغي أن يستند إلى أعدادها أو تسليحها فحسب، بل إلى طبيعة المهام المسندة إليها، والجهات التي تتبع لها، ومدى ارتباطها بمنظومة الأمن الداخلي والحرس الثوري.
هل يخشى النظام انقلاب السلاح على حامليه؟
وحول احتمالات تمرد بعض المسلحين على السلطات التي سلّحتهم، قال إن هذا السيناريو يظل واردًا، ولا سيما في بيئة سياسية تتعدد فيها الانقسامات القومية والمذهبية والمناطقية، وتتباين فيها مستويات الولاء للنظام. لكنه أشار إلى أن السلطات الإيرانية تحاول، بحسب قراءته، الحد من هذه المخاطر من خلال اختيار المجندين من مناطق تُعد أكثر قربًا من النظام، وإخضاعهم لمعايير تتصل بالخلفية الأمنية ودرجة الولاء، فضلًا عن مراعاة التوزيع الجغرافي والاجتماعي للقوات التي يجري تشكيلها.
وأضاف أن تهميش بعض الأقليات والمناطق الحدودية في عمليات التجنيد، وفق ما عرضه في المداخلة، يعكس مخاوف من أن يتحول انتشار السلاح إلى فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل البلاد، أو أن تستخدمه جماعات معارضة في مواجهة السلطات، مشيرًا إلى أن السماح لبعض المجندين بالاحتفاظ بالسلاح في منازلهم قد يرتبط، وفق تقديره، بوجود ثقة أمنية مسبقة بهم، وإن كان هذا الإجراء لا يلغي بالضرورة احتمال حدوث انشقاقات أو تمردات في ظروف استثنائية.
ورأى العتوم أن النظام الإيراني يسعى، من خلال هذه الإجراءات، إلى تحقيق معادلة دقيقة تتمثل في توسيع قاعدة المشاركة المسلحة بما يكفي لرفع كلفة أي هجوم خارجي، من دون أن يؤدي ذلك إلى توزيع القوة على نحو يهدد احتكار الدولة للسلاح أو يتيح ظهور مراكز نفوذ مستقلة، فكلما اتسعت دائرة التجنيد، ازدادت الحاجة إلى آليات الرقابة والضبط، وأصبح الحفاظ على الولاء عنصرًا حاسمًا في تحديد مدى قدرة هذه التشكيلات على أداء المهام الموكلة إليها من دون أن تتحول إلى مصدر تهديد داخلي.
من الدفاع عن إيران إلى الدفاع عن النظام
وأشار العتوم إلى أن اعتماد شعار "التضحية من أجل إيران" يحمل دلالة سياسية مهمة، إذ يسعى النظام، بحسب تقديره، إلى توسيع قاعدة التعبئة من أنصاره العقائديين إلى شرائح يمكن استقطابها عبر خطاب وطني يرتكز على السيادة وحماية البلاد. واعتبر أن هذا التحول في لغة التعبئة يتيح للسلطات تقديم المواجهة باعتبارها قضية وطنية جامعة، بدل حصرها في إطار أيديولوجي أو مذهبي قد لا يحظى بالقبول ذاته لدى جميع فئات المجتمع الإيراني.
وأضاف أن توظيف الهوية الوطنية في التعبئة لا يعني بالضرورة تراجع الاعتبارات العقائدية، إذ قد يعكس محاولة للجمع بين مستويين من الخطاب: الأول يستنهض مشاعر الانتماء إلى الدولة والوطن، والثاني يربط المواجهة بمفاهيم دينية وسياسية تتبناها مؤسسات النظام. وبهذا المعنى، يمكن أن تصبح التعبئة وسيلة لتوسيع قاعدة الدعم الشعبي في مواجهة الخارج، وفي الوقت نفسه أداة لإعادة إنتاج الولاء السياسي داخل البلاد.
وذكر أن هذه المقاربة تطرح تساؤلًا جوهريًا بشأن الحدود الفاصلة بين حماية الدولة وحماية النظام؛ فكلما جرى دمج المفهومين في خطاب واحد، أصبح من الأسهل على السلطات تقديم الاعتراض على سياساتها باعتباره تهديدًا للجبهة الداخلية، لا اختلافًا سياسيًا يمكن التعامل معه ضمن الأطر المدنية. ومن شأن ذلك، وفق هذه القراءة، أن يمنح المؤسسات الأمنية مبررات أوسع للتدخل في الحياة العامة، خصوصًا في أوقات الحرب والتوترات الإقليمية.
العقيدة في حسابات الحرس الثوري
وفيما يتعلق بخطاب قيادات الحرس الثوري، أوضح العتوم أن فهم مواقف بعض هذه القيادات يتطلب الانتباه إلى الخلفيات العقائدية التي تؤثر في تصورها لطبيعة الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مشيرًا إلى أن بعض الخطابات الإيرانية تضعها ضمن سرديات دينية ومذهبية أوسع، تستحضر مفاهيم المقاومة والتضحية ومقارعة القوى التي يصورها الخطاب الرسمي باعتبارها معادية للمشروع الإيراني.
ولفت إلى أن هذه الخلفية قد تفسر جانبًا من اللغة التصعيدية التي تصدر عن بعض الشخصيات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأمنية، ولا سيما عندما تُربط الحرب بتصورات تتصل بآخر الزمان أو بتمهيد الأرض لظهور الإمام المهدي، وهي أفكار حاضرة في بعض التيارات الدينية الشيعية، لكنها لا تمثل بالضرورة موقف جميع الإيرانيين أو جميع المؤسسات العسكرية في البلاد.
وأضاف أن هذه المرجعيات العقائدية، حين تتداخل مع القرار الأمني والعسكري، قد تسهم في رفع مستوى الاستعداد للتضحية وتحمل الخسائر، كما قد تضيق مساحة البراغماتية لدى بعض صناع القرار إذا جرى تقديم التراجع باعتباره إخفاقًا في مهمة دينية أو تاريخية. ومع ذلك، فإن تفسير السلوك الإيراني لا يمكن اختزاله في العامل العقائدي وحده؛ إذ تتداخل معه اعتبارات بقاء النظام، وموازين القوة، وحسابات الردع، ومصالح المؤسسات العسكرية والأمنية.
تعبئة تكشف مخاوف النظام بقدر ما تعكس استعداداته
وخلص العتوم إلى أن تشكيل الكتائب الشعبية وتسليح المتطوعين يعكسان، في تقديره، استراتيجية متعددة المسارات، تستهدف رفع كلفة أي تدخل بري محتمل، وتعويض جانب من الخسائر البشرية والعسكرية، وتأمين المنشآت الحيوية، وفي الوقت نفسه إحكام الرقابة على الجبهة الداخلية.
وتكمن المفارقة، وفق هذه القراءة، في أن توسيع قاعدة التسليح قد يمنح النظام قدرة إضافية على المقاومة والاستنزاف، لكنه يضعه في الوقت ذاته أمام تحديات تتصل بالولاء، والسيطرة على السلاح، وإدارة التناقضات داخل المجتمع. فالتعبئة الواسعة تحتاج إلى منظومة ضبط متماسكة، وأي خلل في هذه المنظومة قد يحول الأداة التي أُنشئت لحماية النظام إلى مصدر اضطراب إضافي.
وعليه، فإن السؤال الأهم يتعلق بقدرة إيران على إدارة هذه القوة في ظروف الحرب، والحفاظ على تماسكها، ومنع تحولها إلى عبء أمني وسياسي، وبين الاستعداد لمواجهة خارجية ومحاولة تحصين الداخل، تبدو التعبئة الشعبية جزءًا من رهان إيراني أوسع على إطالة أمد الصراع ورفع كلفته، في وقت يظل فيه نجاح هذا الرهان مرهونًا بتوازنات الميدان، وصلابة المؤسسات، ومدى استجابة المجتمع للخطاب الذي يحاول النظام من خلاله توحيد الجبهة الداخلية.







