اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

هل يرسم نتنياهو شرق أوسط جديدًا على حساب الأردن؟.. علي الأعور يكشف ما وراء الخريطة الإسرائيلية

{title}
أخبار الأردن -

تثير الخريطة التي طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للشرق الأوسط تساؤلات بشأن طبيعة الترتيبات الإقليمية التي تسعى إسرائيل إلى ترسيخها، وحدود قدرتها على تحويل التصورات السياسية والأمنية إلى تحالفات مستقرة، في منطقة تتداخل فيها المصالح وتتصادم فيها الحسابات، ولا تزال احتمالات المواجهة العسكرية والتسويات السياسية مفتوحة على أكثر من مسار.

وفي قراءة لهذه التطورات، رأى خبير الشؤون الإسرائيلية الدكتور علي أن التعامل مع خريطة نتنياهو يتطلب تجاوز دلالتها الإعلامية المباشرة، والنظر إليها في سياق الصراع على مستقبل المنطقة، والتنافس على تشكيل التحالفات، والضغوط المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية، إلى جانب الدور الحاسم الذي ستؤديه الإدارة الأميركية في تحديد اتجاه المواجهة مع إيران.

ويبرز الأردن في هذا السياق بوصفه دولة معنية مباشرة بأي تحولات تمس توازنات الإقليم وأمنه، خصوصًا أن الحديث عن تحالفات جديدة لا يمكن فصله عن مستقبل القضية الفلسطينية، واستقرار الحدود، ومآلات الصراع في غزة وسوريا ولبنان، فضلًا عن طبيعة العلاقة بين إسرائيل والدول العربية.

الأردن في حسابات التحالفات الإقليمية

لا يمكن قراءة أي تصور إسرائيلي جديد للشرق الأوسط بمعزل عن موقع الأردن في معادلات الأمن والاستقرار الإقليميين، فالتغييرات التي قد تطرأ على طبيعة التحالفات أو على مسارات الصراع لا تبقى محصورة في الدول التي تظهر على الخرائط السياسية، إذ قد تمتد آثارها إلى الدول المجاورة، وتفرض عليها التعامل مع تداعياتها الأمنية والسياسية والاستراتيجية.
ومن هذا المنطلق، فإن أهمية الخريطة التي طرحها نتنياهو تكمن في طبيعة النظام الإقليمي الذي يسعى إلى تقديمه، والمرتكزات التي يريد أن يقوم عليها، ومدى انسجام هذا التصور مع مصالح الدول المعنية به.

وتبرز هنا ضرورة التمييز بين التقارب السياسي أو المصالح المشتركة في بعض الملفات، وبين قيام تحالفات استراتيجية متكاملة، فوجود مصالح متقاطعة بين دولتين لا يعني بالضرورة تطابق مواقفهما في جميع القضايا، كما أن التعاون في المجال الأمني لا يضمن اتفاقًا دائمًا على أولويات السياسة الخارجية أو على مستقبل الصراعات الإقليمية.

وبحسب قراءة الأعور، فإن الخريطة الإسرائيلية ينبغي أن تُفهم في إطار محاولة رسم صورة للمنطقة تقوم على اصطفافات سياسية وأمنية، من دون أن يعني ذلك أن جميع الدول التي تظهر ضمن هذه الاصطفافات مستعدة لتبني الرؤية الإسرائيلية أو تحمل تبعاتها.

وبالنسبة إلى الأردن، فإن أي تحولات في هذه المعادلة تكتسب أهمية خاصة عندما تتصل بمستقبل القضية الفلسطينية، أو تفضي إلى تغييرات في البيئة الأمنية المحيطة به، أو تفرض ترتيبات إقليمية جديدة لا تتوافق مع مصالحه الوطنية. ولذلك، فإن تقييم هذه التصورات يتطلب النظر إلى نتائجها المحتملة، لا الاكتفاء بقراءة الرسائل السياسية التي تحملها.

خريطة نتنياهو بين الرسالة الانتخابية ومشروع إعادة تشكيل المنطقة

وربط الأعور طرح نتنياهو بخلفيات سياسية وانتخابية، معتبرًا أن الخطاب الإسرائيلي يسعى إلى إبراز ما تصفه الحكومة الإسرائيلية بالإنجازات الأمنية والعسكرية، وتقديم صورة عن إسرائيل بوصفها طرفًا قادرًا على بناء شبكة من العلاقات والتحالفات في المنطقة وخارجها.

وتحمل هذه المقاربة، وفق هذا التقدير، وظيفة تتجاوز عرض العلاقات الخارجية؛ إذ يمكن توظيفها في مخاطبة الناخب الإسرائيلي، وإظهار أن الحكومة استطاعت تعزيز موقع إسرائيل، وتوسيع دائرة الشركاء المحتملين، والتعامل مع التهديدات التي تضعها في مقدمة خطابها السياسي.

لكن الأعور أشار إلى أن تقديم خريطة للتحالفات لا يكفي لإثبات وجود منظومة إقليمية متماسكة، فالعلاقات بين الدول تتأثر بحسابات المصالح الوطنية، وتوازنات القوة، والاعتبارات الاقتصادية والأمنية، كما تتغير تبعًا للتطورات الداخلية والضغوط الدولية.

ومن هنا، فإن تصوير المنطقة ضمن معسكرات محددة قد يعكس رغبة إسرائيلية في تبسيط المشهد وتقديمه باعتباره انقسامًا واضحًا بين أطراف متحالفة وأخرى معادية، بينما تكشف الوقائع الإقليمية عن شبكة أكثر تعقيدًا من العلاقات، تتداخل فيها الشراكات والخصومات، وتتباين فيها المواقف من ملف إلى آخر.

وتزداد أهمية هذه المسألة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية، إذ يصبح تقييم الخطاب السياسي مرتبطًا بمدى ما يحققه داخليًا، وبقدرته على التأثير في صورة القيادة أمام جمهورها، ولذلك، فإن ما يطرحه نتنياهو بشأن مستقبل المنطقة قد يجمع بين أهداف سياسية آنية وتصورات استراتيجية بعيدة المدى، من دون أن تكون جميع عناصره قابلة للتحقق بالدرجة نفسها.

التحالفات التي يعلنها نتنياهو لا تعني تطابق المصالح

تتضمن التصورات التي عرضها نتنياهو حديثًا عن علاقات وتحالفات مع دول من بينها الهند وقبرص واليونان والإمارات والسعودية، في سياق سعي إسرائيل إلى توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية.

غير أن الأعور دعا إلى التعامل بحذر مع دلالات هذه الإشارات، لأن وجود علاقات سياسية أو اقتصادية أو أمنية بين دولتين لا يعني أن إحداهما ستتبنى بالضرورة جميع خيارات الأخرى، أو ستشاركها في أي مواجهة عسكرية محتملة.

فلكل دولة أولوياتها وحساباتها الخاصة، وقد تتقاطع مصالحها مع إسرائيل في ملفات محددة، فيما تختلف معها في ملفات أخرى، كما أن طبيعة العلاقة مع إسرائيل لا تنفصل عن التطورات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، ومواقف الرأي العام، والتوازنات الإقليمية، وحسابات الاستقرار الداخلي.

ويبرز ذلك بوضوح عند الحديث عن السعودية، إذ لا يجوز التعامل مع الإشارات السياسية المتعلقة بالتطبيع أو بناء العلاقات باعتبارها دليلًا على اكتمال مسار سياسي أو قيام تحالف استراتيجي شامل. فهذه المسارات ترتبط بشروط وتفاهمات وحسابات تتجاوز مجرد الإعلان عنها، وتظل نتائجها مرهونة بالتطورات السياسية ومواقف الأطراف المعنية.

وينطبق الأمر ذاته على الدول الأخرى التي تظهر في التصور الإسرائيلي؛ فالتعاون في مجالات التجارة أو التكنولوجيا أو الأمن لا يعني بالضرورة الاستعداد للانخراط في حرب إقليمية، أو قبول ترتيبات سياسية تمس المصالح الوطنية لتلك الدول.

وبذلك، فإن الفارق بين الخريطة السياسية والتحالف الفعلي يظل جوهريًا. الأولى قد تعكس تصورًا أو طموحًا لدى الجهة التي تطرحها، أما الثاني فيحتاج إلى مصالح مستدامة، وتفاهمات واضحة، واستعداد لتحمل الكلفة السياسية والأمنية المترتبة عليه.

لماذا تكتسب مواقف مصر وتركيا أهمية خاصة؟

يلفت الأعور إلى غياب مصر وتركيا عن الخريطة التي طرحها نتنياهو، رغم ما تمثله الدولتان من ثقل سياسي واستراتيجي في المنطقة، وما تمتلكانه من أدوات للتأثير في مسارات الأزمات الإقليمية.

ولا يمكن النظر إلى هذا الغياب بوصفه تفصيلًا شكليًا؛ فمصر تحتل موقعًا محوريًا في الملفات المرتبطة بغزة، والأمن الإقليمي، والعلاقات العربية، فيما تمتلك تركيا حضورًا سياسيًا وعسكريًا مؤثرًا، وتتحرك وفق حسابات تتصل بأمنها القومي ومصالحها الإقليمية.

ويعكس هذا الواقع صعوبة بناء تصور شامل للشرق الأوسط من دون أخذ مواقف القوى الإقليمية الأساسية في الحسبان. فهذه الدول ليست مجرد أطراف يمكن إدراجها أو استبعادها في خطاب سياسي، بل تمتلك مصالح مستقلة وقدرة على التأثير في نتائج أي ترتيبات جديدة.

وبالنسبة إلى الأردن، تكتسب مواقف مصر وتركيا أهمية إضافية بسبب تداخل الملفات الإقليمية، ولا سيما مستقبل القضية الفلسطينية، والأوضاع في سوريا، والتطورات الأمنية في المنطقة. فأي تغيير في موازين العلاقات بين هذه القوى قد ينعكس على البيئة التي يتحرك فيها الأردن، ويؤثر في فرص احتواء الأزمات أو اتساعها.

ويعني ذلك أن نجاح أي مشروع لإعادة ترتيب المنطقة لن يتوقف على رغبة إسرائيل وحدها، وإنما على مدى استجابة القوى الإقليمية له، وقدرتها على التوافق أو الاختلاف بشأن نتائجه. وكلما اتسعت الفجوة بين التصورات الإسرائيلية ومصالح الدول الأخرى، ازدادت صعوبة تحويل تلك التصورات إلى واقع مستقر.

الانتخابات الإسرائيلية قد تعيد رسم الأولويات

يربط الأعور مستقبل الخريطة التي طرحها نتنياهو بمآلات الانتخابات الإسرائيلية، وبما إذا كانت القيادة الحالية ستحتفظ بموقعها أم ستشهد إسرائيل انتقالًا سياسيًا يغيّر أولويات الحكومة المقبلة.
فنتائج الانتخابات يمكن أن تؤثر في طبيعة الخطاب الموجه إلى الخارج، وفي ترتيب الملفات الأمنية والسياسية، وفي حدود الاستعداد للتفاوض أو الاستمرار في النهج العسكري.

ويشير هذا التقدير إلى أن أي تغيير في القيادة الإسرائيلية قد يفتح المجال أمام مراجعة بعض السياسات، أو تعديل طريقة التعامل مع الملفات الإقليمية، بما في ذلك العلاقات مع دول الجوار ومستقبل العمليات العسكرية في غزة ولبنان وسوريا.

وفي المقابل، فإن استمرار القيادة الحالية قد يعني بقاء عدد من الأولويات القائمة في صدارة المشهد، وإن كان ذلك لا يضمن بالضرورة تنفيذ جميع التصورات التي يجري الإعلان عنها. فالحكومات، مهما امتلكت من نفوذ داخلي، تبقى مقيدة بمواقف الحلفاء، والضغوط الدولية، والموارد المتاحة، وتكاليف المواجهات المفتوحة.

وفي هذا الإطار، فإن الإشارة إلى أسماء سياسية إسرائيلية بديلة، ومن بينها إيزنكوت وبينيت ولابيد، تندرج ضمن النقاش بشأن الخيارات القيادية المحتملة، لكن تقييم أثر أي تغيير يظل مرتبطًا بالبرنامج السياسي للحكومة التي قد تتشكل، وبمدى استعدادها لتعديل السياسات القائمة.

ولا يعني تغير القيادة بالضرورة حدوث تحول جذري في جميع الملفات؛ إذ قد تتغير الأدوات والخطابات فيما تبقى بعض الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية حاضرة. ومع ذلك، فإن نتائج الانتخابات قد تؤثر في المسار الذي ستسلكه إسرائيل، وفي مدى قدرتها على تحويل أهدافها المعلنة إلى سياسات قابلة للاستمرار.

القرار الأميركي بشأن إيران.. العامل الأكثر تأثيرًا في مسار المنطقة

يضع الأعور الخيارات الأميركية تجاه إيران في مقدمة العوامل التي ستحدد مستقبل التصورات الإسرائيلية. فالمسار الذي ستختاره إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سواء اتجه نحو مواجهة عسكرية واسعة أو نحو تسوية سياسية، ستكون له انعكاسات مباشرة على حسابات إسرائيل والدول الإقليمية.

وفي حال اتجهت واشنطن إلى عملية عسكرية واسعة، فقد تتغير موازين القوة في المنطقة، وتزداد احتمالات اتساع المواجهة لتشمل أطرافًا ومواقع متعددة. وقد يمنح ذلك إسرائيل فرصة لإعادة طرح بعض تصوراتها الأمنية، لكنه لا يعني أن خريطتها ستتحقق تلقائيًا أو أن الدول الأخرى ستنخرط في الترتيبات التي تريدها.

فالحروب لا تقتصر نتائجها على أهداف الأطراف التي تبدأها؛ إذ يمكن أن تفتح مسارات غير متوقعة، وتزيد المخاطر الأمنية، وتفرض أعباء اقتصادية وسياسية على الدول المحيطة. كما أن اتساع المواجهة قد يدفع دولًا كانت تتبنى مواقف متباينة إلى إعادة حساباتها، سواء لتجنب الانخراط في الصراع أو للحد من تداعياته.

أما إذا فضّلت الإدارة الأميركية التوصل إلى اتفاق سياسي مع إيران، فإن ذلك قد يحد من فرص تحويل التصورات القائمة على المواجهة إلى واقع، ويدفع الأطراف الإقليمية إلى إعادة تقييم مواقفها. وقد يؤدي التفاهم إلى فتح مسارات دبلوماسية جديدة، أو إلى تخفيف بعض الضغوط، من دون أن يعني بالضرورة انتهاء الخلافات الاستراتيجية بين واشنطن وطهران أو بين إيران وإسرائيل.

ومن هنا، فإن العامل الأميركي يمتد إلى طبيعة البيئة الاستراتيجية التي ستعمل فيها. فقرار الحرب أو التفاوض يمكن أن يغيّر حسابات الردع، وفرص التصعيد، وحدود التحالفات، كما يمكن أن يحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مواجهة مفتوحة أم نحو ترتيبات سياسية أكثر تعقيدًا.

المواجهة العسكرية لا تضمن تحقيق الأهداف الإسرائيلية

يرى الأعور أن احتمال اندلاع مواجهة واسعة مع إيران يظل عاملًا رئيسيًا في قراءة مستقبل المنطقة، لكنه لا يتيح الجزم بالنتائج التي قد تترتب عليها. فحتى إذا اندلعت الحرب، فإن مسارها سيظل خاضعًا لقدرات الأطراف، وطبيعة الردود المتبادلة، ومدى اتساع نطاق العمليات، والمواقف الدولية والإقليمية.

وتشمل المخاطر المحتملة تعرض مواقع إسرائيلية، بما فيها تل أبيب وحيفا وديمونا، لهجمات صاروخية، إلى جانب احتمال اتساع العمليات لتشمل جبهات أخرى. ويعني ذلك أن أي مواجهة قد تتحول إلى اختبار طويل لقدرات الردع والدفاع، بدل أن تكون عملية محدودة تحقق أهدافها ضمن إطار زمني واضح.

كما أن اتساع الحرب قد يضع الدول المحيطة أمام تحديات أمنية وسياسية واقتصادية، ويزيد من صعوبة احتواء تداعياتها. فالمواجهات الإقليمية قد تؤثر في حركة التجارة والطاقة، والاستقرار الداخلي، وحسابات الحكومات، فضلًا عن احتمالات تصاعد التوتر في أكثر من ساحة.

وفي هذا السياق، لا يمكن افتراض أن التفوق العسكري وحده كافٍ لفرض نظام إقليمي جديد. فقد تحقق العمليات العسكرية مكاسب محددة، لكنها قد تفتح في الوقت نفسه أبوابًا لأزمات جديدة، أو تعزز دوافع المقاومة والتصعيد، أو تفرض على الأطراف العودة إلى التفاوض بعد ارتفاع الكلفة.

ومن ثم، فإن تقييم أي سيناريو عسكري ينبغي أن يستند إلى أهدافه الممكنة، والقدرة على تحقيقها، والنتائج التي قد تترتب عليه، لا إلى التصورات المسبقة بشأن ما يمكن أن تحققه القوة وحدها.

غزة ولبنان وسوريا.. ساحات مفتوحة على تغيرات سياسية

يربط الأعور مسار التحولات الإقليمية أيضًا بمستقبل الصراعات القائمة في غزة ولبنان وسوريا، معتبرًا أن طبيعة القيادة الإسرائيلية المقبلة، والقرار الأميركي بشأن إيران، قد يؤثران في خيارات إسرائيل تجاه هذه الملفات.
فاستمرار العمليات العسكرية أو الانتقال إلى مسارات سياسية سيعتمد على مجموعة من العوامل، من بينها حسابات الحكومة الإسرائيلية، ومواقف الأطراف المعنية، والضغوط الدولية، ومدى توافر تفاهمات يمكن أن تضمن استقرارًا نسبيًا.

وقد يؤدي تغير القيادة الإسرائيلية إلى إعادة النظر في بعض السياسات، بما في ذلك طريقة إدارة المواجهات أو التعامل مع ترتيبات الانسحاب والتسوية. غير أن هذه الاحتمالات لا يمكن التعامل معها باعتبارها نتائج محسومة، إذ تبقى مرتبطة بميزان القوى وشروط أي اتفاق والضمانات التي قد ترافقه.

وتتجاوز أهمية هذه الملفات حدود الدول التي تشهد الصراع؛ فالتطورات في غزة ترتبط مباشرة بمستقبل القضية الفلسطينية، فيما تؤثر الأوضاع في لبنان وسوريا في التوازنات الأمنية والسياسية المحيطة بالأردن. ولذلك، فإن أي تغيير في مسار هذه الأزمات قد يحمل انعكاسات على الاستقرار الإقليمي، وعلى قدرة الدول المجاورة على تجنب انتقال التوتر إليها.

ومن هنا، فإن مستقبل الخريطة الإسرائيلية لا يتحدد بمدى قدرة نتنياهو على عرض تحالفات جديدة فحسب، وإنما أيضًا بقدرته على التعامل مع الملفات التي لا تزال مفتوحة، وبمدى استعداد الأطراف الأخرى لقبول ترتيبات يراها كل طرف من زاويته الخاصة.

دول الخليج تتحرك وفق حساباتها الخاصة

يشير الأعور إلى أن دول الخليج لا تتعامل مع التحولات الإقليمية من منظور واحد، وأن اختلاف مصالحها وأولوياتها ينعكس على مواقفها من إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

فقد تتفق هذه الدول على أهمية الاستقرار وحماية المصالح الاقتصادية والأمنية، لكنها تختلف في تقدير المخاطر، وفي مستوى الانخراط المطلوب، وفي الطريقة الأنسب للتعامل مع الأزمات. كما أن العلاقة مع القوى الكبرى لا تعني بالضرورة الاستعداد للمشاركة في جميع الخيارات التي تطرحها تلك القوى.

ويجعل هذا التباين من الصعب افتراض قيام موقف خليجي موحد تجاه أي مواجهة عسكرية محتملة أو تجاه خريطة التحالفات الإسرائيلية. فلكل دولة اعتبارات تتعلق بأمنها الوطني، وعلاقاتها الخارجية، ومصالحها الاقتصادية، وقدرتها على تحمل تبعات التصعيد.

وبالنسبة إلى الأردن، فإن فهم هذه الاختلافات يظل مهمًا في قراءة المشهد الإقليمي؛ إذ إن التحولات في مواقف الدول العربية المؤثرة قد تحدد مساحة الحركة الدبلوماسية، وفرص تنسيق المواقف، وإمكانات احتواء الأزمات قبل أن تتوسع.

كما أن اختلاف الحسابات بين الدول لا يعني بالضرورة تعارض مصالحها في جميع الملفات، لكنه يوضح أن بناء ترتيبات إقليمية مستقرة يحتاج إلى مراعاة أولويات كل دولة، بدل افتراض أن التقارب في قضية واحدة ينتج تحالفًا شاملًا ودائمًا.

الأردن ومقتضيات قراءة المشهد من زاوية المصالح الوطنية

تضع هذه التطورات الأردن أمام ضرورة قراءة التحولات الإقليمية وفق ما قد تفرضه من تداعيات على مصالحه الوطنية، لا وفق الصورة التي تسعى أي جهة إلى تقديمها عن مستقبل المنطقة. فالمشهد لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين تصعيد عسكري واسع، وتفاهمات سياسية محدودة، وتغيرات في موازين القوى قد تعيد ترتيب العلاقات بين الأطراف.

وتتطلب هذه القراءة التمييز بين ما تحقق فعليًا وما يجري الترويج له، وبين التحالفات القائمة والتصورات التي لم تتحول بعد إلى التزامات واضحة. كما تستدعي عدم التعامل مع أي خريطة سياسية باعتبارها وصفًا نهائيًا للواقع، خصوصًا في منطقة تتغير فيها الحسابات بسرعة، وتؤثر فيها القرارات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية، إلى جانب مواقف القوى العربية والإقليمية.

ويظل مستقبل القضية الفلسطينية أحد العوامل الأساسية في تقييم أي ترتيبات إقليمية جديدة، بالنظر إلى انعكاساته على الأمن والاستقرار، وعلى طبيعة العلاقات بين إسرائيل والدول العربية. كما أن تطورات غزة وسوريا ولبنان، واحتمالات المواجهة مع إيران، تفرض قراءة مترابطة للملفات بدل التعامل معها باعتبارها أزمات منفصلة.

وفي ضوء ذلك، فإن التحدي أمام المنطقة لا يتمثل في إعلان تحالفات جديدة بقدر ما يرتبط بقدرة الأطراف على منع التصعيد، ومعالجة أسباب الصراع، والوصول إلى ترتيبات تراعي المصالح الوطنية للدول المعنية. فالتوازن الإقليمي يتشكل عبر مواقف سياسية واضحة، ومصالح قابلة للاستمرار، وتفاهمات يمكن اختبارها على أرض الواقع.

وتخلص قراءة الأعور إلى أن خريطة نتنياهو تبقى مرتبطة بثلاثة عوامل رئيسية: مستقبل القيادة الإسرائيلية بعد الانتخابات، والقرار الأميركي بشأن إيران، ومدى استعداد القوى الإقليمية للتعامل مع التصورات الإسرائيلية أو الاعتراض عليها. وبين هذه العوامل، يظل تحقق الخريطة بصورتها المعلنة احتمالًا غير محسوم، فيما يبقى الأردن معنيًا بمتابعة نتائجها المحتملة على القضية الفلسطينية وأمن المنطقة واستقرارها.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية