د.محمد صبحي العايدي يكتب: سنن التدافع (3): المؤسسة الدينية بين وحدة المرجعية وحرية الاجتهاد
د.محمد صبحي العايدي
المعرفة الإنسانية بطبيعتها تراكمية، لا تنمو في الفراغ، بل تنضج في بيئة الاختلاف والحوار، وتمحص بالنقد والسؤال، وتتسع بالرأي والرأي الآخر، ومن هنا يمكن الحديث عن التدافع داخل الفكر الإسلامي، ولا أقصد به مجرد الاختلاف أو الخصومة بين المدارس الفقهية أو العقدية، ولا الصراع الذي يريد فيه كل طرف أن يسقط الآخر، وإنما التفاعل بين الآراء بحيث يختبر كل منهما الآخر ويؤثر فيه، يضع الدليل أمام الدليل، والاجتهاد أمام الاجتهاد، فتنكشف مواطن القوة والضعف، وتتسع زوايا النظر إلى المسألة الواحدة.
وهذا ما عرفه التاريخ العلمي الإسلامي، فقد اختلف الصحابة في فهم النصوص وتنزيلها، ثم نشأت المدراس الفقهية والأصولية والكلامية داخل فضاء مرجعي واحد، أنتج سجالاً معرفياً أسهم في تطوير أدوات الحجاج والتحرير والرد، كما اختلفت في دلالات الألفاظ، ومناهج الاستنباط، وتحقيق المناط، وترتيب الأدلة والمصالح، ولم يكن هذا التنوع، أزمة في المرجعية، بل كان في كثير من الأحيان مصدراً للإثراء المعرفي والحضاري.
وهنا نؤسس لمبدأ مهم: أن وحدة المرجعية لا تستلزم وحدة الفهم، فقد يتعدد الاجتهاد في إطار مرجعي واحد، وعليه فإن من أخطر الاختلالات المنهجية أن نرفع فهماً بشرياً إلى منزلة النص نفسه، سواء كان هذا الفهم صادراً عن فرد أو لجنة أو مؤسسة، صحيح أن الاجتهاد الجماعي قد يكون أوسع خبرة وأقوى نظراً، لما يجمع فيه من تخصصات مختلفة، لكنه يظل اجتهاداً بشرياً، من حيث القابلية للنقاش والتصويب والاستدارك.
وبناء عليه، فإن وجود مؤسسة دينية تتخذها الدولة مرجعية في الشأن الديني، ضرورة تنظيمية مفهومة، فالدولة تحتاج في أعمالها الرسمية إلى جهة معلومة تنسب إليها العمل أو الرأي الديني المؤسسي، وإلا تحول المجال العام إلى تعدد غير منضبط في المرجعيات، لكن الإشكال عندما تنتقل هذه المرجعية من كونها إطاراً تنظيمياً إلى أن تفهم بأنها احتكار للحقيقة العلمية نفسها.
فهنا فرق دقيق بين مرجعية المؤسسة وحجية الأقوال العلمية، المؤسسة تكسب مرجعيتها من اختصاصها القانوني والتنظيمي، أما الأقوال الفقهية فتكتسب حجيتها العلمية من أدلتها ومنهج الاستنباط، وسلامة تنزيلها على الواقع، ولذا قد يكون للمؤسسة رأي رسمي تعتمد عليه الدولة في إجراءاتها، ويبقى في الوقت نفسه لعالم أو مجتهد أن يقدم اجتهاداً آخر بأدوات العلم وأخلاقه، فالمؤسسة تنظم شأن الدولة دينياً، لكنها لا تستطيع أن تحدد من يملك حق التفكير دينياً.
وهذا التمييز ضروري، لأن الخلط بين المستويين يحول الاختلاف العلمي إلى صراع هويات، فتصبح المؤسسة في وعي بعض المنتسبين إليها هي» الدين» ويصبح نقد رأيها العلمي نقداً للدين نفسه، ثم يتحول المخالف من صاحب اجتهاد إلى خصم للمرجعية، وهنا نكون قد وقعنا في مغالطة أصولية لأننا نقلنا صفة العصمة والثبات من الوحي إلى فهم المؤسسة نفسها.
ولذا فإن وظيفة المؤسسة الدينية ليست إغلاق المجال الاجتهادي، وإنما ترشيده، ولا صناعة عقل ديني واحد، وإنما حفظ المرجعية العامة مع إبقاء أبواب العلم مفتوحة، فالمقصد من المؤسسية هو منع الفوضى لا منع الاجتهاد من أهله، والمؤسسة القوية معرفياً هي التي تستطيع استقبال الاجتهاد المخالف بوصفه مورداً لها، لا تهديداً لهيبتها، فقد يحمل المجتهد من خارج البناء الرسمي سؤالاً لم تنتبه إليه المؤسسة، أو يكشف أثراً لم ينظر في مآله، أو يقدم تحريراً أصولياً يستحق إعادة النظر.
ومن هنا يصبح التدافع الفكري عامل قوة للمؤسسة نفسها، والعلاقة السلمية ليست إما المؤسسة وإما الاجتهاد الفردي، فهذه الثنائية زائفة، وإنما العلاقة المطلوبة هي أن تنظم المؤسسة المجال العام، وتبقى على الاجتهاد الحر المنضبط مفتوحاً، يثري المجال العلمي، فالحوار بينهما يمنع الاجتهاد من الفوضى، ويمنع المؤسسة من الجمود، فالمرجعية لا تعني وحدة الفهم، كما أن تعدد الفهم لا يعني إسقاط المرجعية.
وهذا هو التوازن الذي تحتاجه المؤسسة الدينية المعاصرة، ثبات في الأصول، وفي نفس الوقت سعة في الفروع ومرونة في الاجتهاد، ونكون بذلك حمينا المؤسسة، وضبطنا الشأن الديني دون إغلاق لباب الاجتهاد، فالمؤسسة التي تخشى الاجتهاد تضعف نفسها قبل أن تضعف الآخرين، والاجتهاد الذي يرفض المرجعية قد يتحول إلى فوضى، أما البناء الحضاري فيجمع بين الاثنين.
*الباحث في الفكر الإسلامي







