هل يعي الأردني حدود حرياته؟... ما الذي يحركها أو يضبطها؟
قال الكاتب محمد العودات إن مفهوم الحرية يحتاج إلى إعادة قراءة دقيقة تميّز بين الضوابط القانونية والضوابط الدينية والاجتماعية، مضيفًا أن الأصل في الإنسان هو الحرية، وأن تقييدها لا يكون إلا وفق ضوابط واضحة ومحددة.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن القانون يمثل الضابط الإلزامي العام الذي يخضع له الجميع دون استثناء، باعتباره الأداة التي تنظم علاقة الأفراد ببعضهم وتحمي حياتهم وممتلكاتهم وحرياتهم، مستشهدًا بقواعد المرور، إذ إن الإنسان قد يرغب في قيادة مركبته بالسرعة التي يريدها، إلا أن القانون يضع حدودًا للسرعة في مناطق مختلفة حفاظًا على حياة السائقين والمشاة وممتلكاتهم.
وأضاف العودات أن تجاوز النصوص القانونية يترتب عليه تطبيق العقوبات التي يحددها القانون، سواء أكانت غرامات مالية أم عقوبات أخرى، مضيفًا أن هذا النوع من الضوابط يختلف عن الضوابط الأخرى لأنه ملزم لجميع أفراد المجتمع، ولا يملك أحد حق تجاوزه أو استبداله بقواعد شخصية.
الدين.. قناعة شخصية لا تُفرض بالقوة
وبيّن أن الضابط الديني يختلف عن الضابط القانوني، معتبرًا أنه ضابط اختياري يفرضه الإنسان على نفسه وفق تعاليمه الدينية وقناعاته الخاصة، متابعًا أنه من حق الإنسان أن يلتزم بالتعاليم الدينية التي يؤمن بها، وأن يضع لنفسه قيودًا يرى فيها طريقًا للثواب والابتعاد عن المعصية، لكن ذلك، وفق طرحه، لا يمنحه الحق في فرض فهمه الديني على الآخرين بالقوة.
وأضاف العودات أن التعامل مع الضابط الديني ينبغي أن يقوم على النصح والإرشاد والدعوة والتوجيه، وليس على الإكراه، مستطردًا أن الفرق بين القانون والدين في هذا السياق يتمثل في أن القانون يفرض قواعده على الجميع، بينما يبقى الالتزام الديني في أصله مرتبطًا بقناعة الفرد واختياره.
العادات والتقاليد.. تختلف باختلاف المجتمع
ونوّه إلى أن هناك ضابطًا ثالثًا يتمثل في العادات والتقاليد، موضحًا أن هذا الضابط يختلف من مجتمع إلى آخر، بل قد يختلف داخل المجتمع الواحد بين المدينة والقرية والبادية.
وأوضح العودات أن ما قد يُنظر إليه باعتباره سلوكًا مستنكرًا في بيئة معينة قد يكون مقبولًا في بيئة أخرى، والعكس صحيح، الأمر الذي يجعل العادات والتقاليد، بحسب رؤيته، ضابطًا اجتماعيًا لا يجوز تحويله إلى قاعدة عامة تُفرض على جميع الناس.
وذكر أن المشكلة تبدأ عندما تتحول القناعات الدينية والاجتماعية الخاصة إلى أدوات تستخدمها السلطة لتقييد الحريات خارج إطار القانون، معتبرًا أن هذه النقطة تمثل جوهر الإشكالية التي تستحق النقاش.
الخطر يبدأ عندما تُفرض الضوابط خارج القانون
وقال العودات إن الخطورة تكمن في أن يمنع القانون بعض المناسبات أو الفعاليات استنادًا إلى اعتبارات دينية أو اجتماعية لا تستند إلى نص قانوني واضح، لأن ذلك، من وجهة نظره، يؤدي إلى التعدي على مبدأ القانون والانتقاص من الحريات.
وأضاف أن السماح بفرض هذه الضوابط على فئة من المجتمع قد يفتح الباب أمام استخدامها ضد فئات أخرى، موضحًا أن السلطة التي تستطيع منع فعالية أو مناسبة خارج إطار القانون يمكن أن تجد لاحقًا مبررات للتدخل في ممارسات فئات أخرى، بما فيها الفئات المتدينة.
وأشار إلى أن حماية الحرية للجميع تتطلب الاحتكام إلى القانون، بحيث يكون القانون هو الإطار الذي يحدد ما يجوز وما لا يجوز، دون أن تتحول القناعات الشخصية أو الاجتماعية إلى قواعد إلزامية عامة.
الحرية والتدين.. علاقة لا تقوم على الإكراه
وفي جانب آخر من حديثه، ربط العودات بين مساحة الحرية وبين قدرة التدين على الانتشار، معتبرًا أن القناعات الدينية تكون أكثر رسوخًا عندما تنشأ من الاختيار الشخصي وليس من الإكراه.
وقال إن تعليم الدين، وفق رؤيته، يحتاج إلى بيئات تتوافر فيها مساحات من الحرية، مشيرًا إلى أن مظاهر التدين يمكن أن تنتشر في المجتمعات التي تتمتع بمستويات أعلى من الحرية والديمقراطية.
وحذر العودات من أن فرض القناعات الدينية بالقوة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، معتبرًا أن بعض التجارب التي شهدت تدخلًا سلطويًا في السلوك الديني أنتجت، بحسب قراءته، مظاهر للنفاق الاجتماعي، إذ يتحول الالتزام من قناعة داخلية إلى سلوك ظاهري تفرضه السلطة.
ونوّه إلى أن الهدف، في تقديره، لا ينبغي أن يكون إنشاء مجتمع يلتزم أفراده خوفًا من السلطة، وإنما مجتمع يؤمن أفراده بما يعتنقونه عن قناعة واختيار.
وخلص العودات إلى أن الحرية لا تعني غياب الضوابط، وإنما تعني وجود ضوابط واضحة ومعلنة، وفي مقدمتها القانون الذي يخضع له الجميع، مع ترك مساحة للقناعات الدينية والاجتماعية لتتفاعل داخل المجتمع دون أن تتحول إلى أدوات للإكراه أو فرض الوصاية على الآخرين.







