الأردن... من يمتلك أدوات التأثير وكيف تُصنع الأفكار السائدة ومن يدير المجال العام
قال الكاتب الدكتور إبراهيم غرايبة إن الأزمات الاجتماعية والانقسامات العميقة التي تشهدها المجتمعات لا يمكن تفسيرها، في كثير من الأحيان، باعتبارها أزمات لدى المجتمع أو طبقاته الاجتماعية والاقتصادية فحسب، فهي تكشف بدرجة أكبر عن أزمة في النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمتلك أدوات التأثير والتنظيم وصناعة الاتجاهات العامة.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الأفكار السائدة تعبّر، في جانب كبير منها، عن الطبقات السائدة، باعتبار أن النخب الأكثر نفوذًا تمتلك الموارد والمال ووسائل الإعلام والمؤسسات وأدوات التنظيم والقدرة على التأثير في المجال العام.
واعتبر الغرايبة أن فهم أي أزمة اجتماعية أو سياسية يبدأ من تفحص طبيعة النخب المهيمنة، واتجاهاتها وقدرتها على إدارة التحولات، وليس من الاكتفاء برصد مواقف الأفراد والجماعات الأقل تأثيرًا.
المجال العام.. لمن يملك أدوات التأثير؟
وبيّن أن المجال العام، بمختلف مستوياته، يتشكل بدرجة كبيرة وفق موازين النفوذ والقدرة على التنظيم، ويشمل ذلك المؤسسات الإعلامية والتعليمية والإرشادية، إلى جانب الانتخابات والتشريعات والقوانين، فضلًا عن أنماط الحياة والعادات والتقاليد والقيم والأذواق والاستهلاك والفنون والموسيقى والمسرح والرياضة.
كما يشمل المجال العام، وفق رؤيته، الأحزاب وقادة الرأي ورجال الأعمال والمنظمات الاجتماعية والمصالح الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى الفلسفات والأفكار والتيارات الأيديولوجية المختلفة، من الليبرالية والمحافظة والقومية واليسارية إلى التيارات الدينية والنسوية والتعددية وغيرها.
ورأى الغرايبة أن هذه المجالات تميل، بصورة طبيعية، إلى خدمة الفئات الأكثر نفوذًا وتنظيمًا وامتلاكًا للموارد، لأن امتلاك المال والتنظيم وأدوات الاتصال يمنح أصحابها قدرة أكبر على التأثير في الرأي العام والسياسات العامة والاتجاهات الفكرية والاجتماعية.
أزمة النخب أم أزمة المجتمع؟
وأشار إلى أن تشخيص الأزمة بوصفها أزمة نخب يمكن أن يرتبط بأكثر من احتمال؛ أولهما أن تكون النخب قد أخفقت في أداء دورها نتيجة الفشل أو العجز أو فقدان المبادرة والرؤية، وعدم قدرتها على استشراف اتجاهات المواطنين والمؤسسات وإدارة التحولات الاجتماعية والسياسية.
أما الاحتمال الآخر، فيتمثل في أن تكون الأزمة ناتجة عن وعي النخب بالأزمة واتجاهاتها، ومن ثم المشاركة في دفعها أو إدارتها وفق مسارات محددة.
وبحسب هذه القراءة، فإن السؤال يتعلق بما إذا كانت المجتمعات تمر بأزمة من جانب، وبمن يمتلك القدرة على تحديد مسار الأزمة وإدارتها وتوجيه النقاش العام حولها من جانبٍ آخر.
هل تنقض وسائل التواصل هذه القاعدة؟
وتوقف الغرايبة عند الأمثلة التي قد تبدو مخالفة لهذه القاعدة، ومنها المدونات والتعبير الفردي والاحتجاجات والنقاشات السياسية والأفكار التي تنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي خارج الأطر التقليدية للنخب.
وأقر بأن هذه الظواهر موجودة بالفعل، لكنه يرى أنها لا تنقض القاعدة العامة، لأنها غالبًا ما تتحرك ضمن مساحات تأثير محدودة، أو قد تكون جزءًا من التفاعلات التي تديرها النخب نفسها.
وطرّح الغرايبة هنا احتمالًا أكثر إثارة للقلق، يتمثل في أن تكون هذه الظواهر مؤشرًا على الفوضى وفقدان البوصلة وانحسار نفوذ النخب القديمة قبل تشكل نخب جديدة.
ووصف هذه الحالة بأنها تعكس واقعًا يتصدع في الوقت الذي لم يتشكل فيه المستقبل بعد؛ فالمستقبل، بحسب طرحه، قد لا يكون مجهول الاتجاه بالضرورة، لكن المشكلة تكمن في أن قياداته الجديدة لم تتشكل بعد.
الوعي وحده لا يكفي
وانتقد الغرايبة الاعتماد على التوعية المجردة باعتبارها وسيلة كافية لمعالجة الأخطاء الاجتماعية والسياسية والثقافية.
ورأى أن التحذير من الخطأ عبر الوعظ أو الانتقاد أو الفتوى، سواء كانت دينية أو سياسية أو اجتماعية، لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير السلوك، لأن معظم الأخطاء، في تقديره، لا تنتج أصلًا عن نقص المعرفة أو غياب الوعي.
وطرح مثالًا على ذلك بالخطاب الديني المتعلق بالتطرف، موضحًا أن صدور التحذيرات والفتاوى من الجهات الدينية الرسمية، وصولًا إلى المفتي والدعاة والأئمة، لا يعني بالضرورة أن الظاهرة ستختفي لمجرد تقديم خطاب توعوي يحذر منها.
ومن هنا يفتح الغرايبة سؤالًا أوسع حول حدود تأثير قادة الرأي والخطاب التوعوي التقليدي، وما إذا كان كافٍ إخبار الناس بأن سلوكًا ما خاطئ، أم أن معالجة الأزمات تحتاج إلى تغيير أعمق في البنى والمؤسسات وموازين النفوذ التي تنتج السلوك والأفكار نفسها؟.
وخلص إلى أن فهم الأزمات الاجتماعية لا ينبغي أن يتوقف عند الظواهر الظاهرة أو سلوك الأفراد، إذ يتطلب النظر إلى من يمتلك أدوات التأثير، وكيف تُصنع الأفكار السائدة، ومن يدير المجال العام، وما إذا كانت النخب القائمة قادرة على قيادة التحول أم أن المجتمع يقف أمام مرحلة انتقالية تتراجع فيها قيادات قديمة قبل أن تتشكل قيادات جديدة.







