اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: ربع قرن من "الحرب.. على العرب"..! (2/2)

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة

لو طُلب إلى أحدٍ تقديم تعريف جامع مانع لـ»الإرهاب»، وأجاب بأنه «الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الإبادي»، فإن جوابه يصعب أن يكون قابلًا للدحض –ولو أن هناك أولئك المستعدين للمحاولة. فكِّر في أبشع الموبقات وما تتفتق عنه أوسع المخيلات من شر وأذى، وستجدها فيه: السرقة، الاستيلاء، النهب، القتل، التهجير، التطهير العرقي، الإبادة الجماعية الشاملة، تجريد شعوب وأمم كاملة من الإنسانية، تزوير التاريخ والتجني على تعريفات كل ما توافقت الإنسانية على أنه الحق، والعدل، والواجب. وانظر إلى مستعمر استيطاني، كيف يتصرف وبماذا يتحدث، وسترى الشرّ الخام المُطلق مجسدًا.
 

من عجائب العالم العجائبي الذي نعيش فيه أن تتحدث دولة نشأت على استعمار استيطاني إبادي عن الإرهاب وتعريفه ولا يُطلب إليها أن تنظر في المرآة. وأن يتحدث كيان منخرط في ارتكاب كل الجرائم التي ينطوي عليها تنفيذ مشروع استعمار استيطاني إحلالي إبادي، ولا تُحال أوراقه إلى المفتي. لكنّ كيانات هذه طبيعتها، منحت نفسها حق احتكار العنف بالعنف وللعنف هي التي تقود «الحرب على الإرهاب». والأعجب أنها وجدت بيُسر عددًا مذهلا حقًا من المجندين، والمتطوعين، والراغبين والمجبورين، والمخدوعين والمرتزقة –من الدول والأفراد- الذين يخدمون في جيشها!
كان من نتاجات «الحرب على الإرهاب» أنها أعادت تعريف الصراعات الناشئة عن رفض الاستعمار والاحتلال والتبعية والتدخل الخارجي لتجعلها مشكلات أمنية محلية. ولأن فلسطين هي المكان الذي تتجمع فيه –ذاتيًا وموضوعيًا- أسباب هذا الرفض وتجلياته، كانت ساحة مركزية لإعادة تعريف الصراع. وأدخلها ترتيب «الحرب على الإرهاب» في منظومة إقليمية تُقاس فيها شرعية القوة بموقفها من حماية/ معارضة النظام القائم. وأصبح إخضاع الفلسطينيين –أو حتى إنهاء قضيتهم وإخراجها من النقاش- جزءًا أصيلًا من الأمن الإقليمي الذي يُراد فرضه على العرب.
في كانون الأول (ديسمبر) 2001، بعد نحو ثلاثة أشهر فقط من هجمات نيويورك، سارع أرئيل شارون إلى ربط حرب كيانه على الفلسطينيين بالحرب الأميركية «على الإرهاب»، وقال: «مثلما تخوض الولايات المتحدة حربها ضد الإرهاب الدولي مستخدمة كل قوتها ضد الإرهاب، سنفعل نحن أيضًا». وقال عن ياسر عرفات: «لقد اتخذ عرفات خياراته الاستراتيجية: استراتيجية الإرهاب».
وبعد أقل من سنتين، في «قمة البحر الأحمر» التي عقدت في 4 حزيران (يونيو) 2003، وضع الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش «مكافحة الإرهاب» في صميم قيام الدولة الفلسطينية، وقال: «على الفلسطينيين أن يتحملوا مسؤولية مكافحة الإرهاب». وأضاف: «إذا كانوا يريدون دولة توفر مستقبلًا واعدًا لشعبهم، فعليهم أن يحاربوا الإرهاب». وكان المعنى السياسي واضحًا: تقديم كفاح الفلسطينيين ضد مستعمريهم كواحدة من جبهات الحرب الدولية على الإرهاب، وليس صراعًا على أرض محتلة. وفي المناسبة نفسها قال بوش أن على الفلسطينيين «تفكيك» ما سماه «المنظمات الإرهابية»، وجعلت الإدارة الأميركية «محاربة الإرهاب» مسؤولية أساسية للسلطة الفلسطينية.
وقبِلت «السلطة» هذا الدور. وقال محمود عباس -الذي كان في ذلك الوقت رئيسًا للوزراء: «لن يكون هناك حل عسكري لهذا الصراع، ولذلك نكرر إدانتنا للإرهاب ونبذنا له ضد الإسرائيليين، أينما كانوا». وذهب شوطًا أبعد ليقول: «سنكون شركاء كاملين في الحرب الدولية على الإرهاب». وتعهد بـ»إنهاء كامل للعنف والإرهاب»، وبـ»إنهاء عسكرة الانتفاضة». وكان ذلك أوضح إعلان فلسطيني على أن «السلطة الفلسطينية» تنسجم مع الإطار نفسه الذي حدده الأميركيون والكيان، وأنها تقبل ضمنيًا باعتبار أعمال المقاومة الفلسطينية إرهابًا.
في ظل «الحرب على الإرهاب»، أُعيد تعريف القضية الفلسطينية داخل هذا الإطار الأمني الذي غير أسئلتها، وانتقلت من قضية تتعلق بالاحتلال وتقرير المصير إلى قضية تتعلق بإدارة «التهديد» وضبط العنف. وبذلك انقلب تمامًا ترتيب السببية: تراجع ما كان سياقًا تاريخيًا وسياسيًا لـ»العنف الفلسطيني» -الاحتلال، ومصادرة الأرض، والاستيطان، والاقتلاع والحصار- إلى خلفية لا تكاد تُلحظ، وأصبح ردّ الفعل هو نقطة البدء في تفسير الصراع. وبهذا التحول تغيّر موقع الفلسطينيين في الخطاب الدولي من شعب مُطالِبٍ بالتحرر والاستقلال إلى طرف مُطالَب أولًا بإثبات أنه لا يشكل تهديدًا للأمن.
وكانت إعادة تعريف وظيفة السلطة الفلسطينية إحدى النتائج المؤسسية لهذا التحول. لم تعد معايير «الأهلية» و»التقدم» تتصل بقدرتها على إنهاء الاحتلال وتحصيل الحقوق الوطنية، وأصبحت تقاس بقدرتها على ضبط السكان المُستعمَرين، وملاحقة «الجماعات المسلحة»، والتصدّي لكل ما يُعرِّفه الكيان والأميركان بأنه «تهديد أمني». وبـ»التنسيق الأمني» –الذي حدَّد الأمن، بالاسم، باعتباره المشكلة، تحول الأمن من وظيفة ضمن مسار يفترض أن يقود إلى الاستقلال ليصبح جزءًا من إدارة واقع الاحتلال نفسه. وأصبح استهداف وإحباط السلطة الفلسطينية للمقاومة الوطنية شرطًا لاستحقاقها القبول السياسي والدعم المالي، بينما خرج الاحتلال تمامًا من تعريف المشكلة التي يُطلب منها معالجتها. وهكذا أسندوا إلى الطرف الواقع تحت الاحتلال دور حفظ النظام الذي يقوم عليه الاحتلال، وأصبح شغله إدارة عواقب بنية القوة القائمة والتخلي تمامًا عن فكرة تغييرها!
ثم، بعد أكثر من عقدين من بدء «الحرب على الإرهاب» أكد ردّ الفعل على هجوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 مدى رسوخ هذا الإطار. وجرى على الفور تقديم الهجوم على أنه «11 سبتمبر الإسرائيلي». ومرة أخرى استُعيدت البنية المفاهيمية التي حكمت سياسة حقبة «مكافحة الإرهاب» منذ 2001. وفُصل الفعل تعسفيًا عن شروطه التاريخية، وتقدّم «حق الدولة في استخدام القوة للدفاع عن النفس» بينما تراجَع حق شعب واقع تحت الاحتلال في التحرر وتقرير المصير –بل تلاشى تقريبًا- في بناء الرواية السياسية. وحُجب السّؤال الأساسي عن البنية التي أنتجت «العُنف»، وما الذي ينبغي استهدافه لإنهائه.
غيّرت «الحرب على الإرهاب» إطار تعريف المشكلة الفلسطينية لتبرير كل الجرائم التي تُرتكب لإنهائها. وخرج الاستعمار من مركز التفسير ليصبح «أمن إسرائيلي» هو المرجعية الأساسية للحكم على سلوك الفلسطينيين وأهلية مؤسساتهم. واستجاب جزء من الفلسطينيين بإعادة تركيب السياسة الفلسطينية لتدور حول احتواء –بل إحباط وإنهاء- المقاومة بدلًا من التركيز على إنهاء الشروط التي انتجت الصراع.
الآن، أصبحت استعادة المعنى السياسي الأصلي للقضية الفلسطينية –والقضية العربية والإسلامية، والإنسانية لمن يريد- جزءًا مركزيًا من الحرب التي ينبغي أن نكون معنيين بخوضها على الإرهاب. وعلى المثقفين والمؤثرين، فلسطينيين وعربًا وأنصار حق، الإصرار على إعادة صياغة الترتيب السببي للأشياء: إنه الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الإبادي هو الذي ينتج ناتجه الطبيعي الذي يسمونه بـ»العُنف» الفلسطيني، وهو الذي ينبغي أن يبدأ منه وينتهي به تحليل الصراع. وهو مسعى الهيمنة وإخضاع شعوب المنطقة وإذلالها والتحكم بمصائرها هو الذي ينتج «العنف» المناهض لتدخلات خارجيين وحشيين صريحين في المنطقة والإقليم. ولا يمكن فهم المقاومة تاريخيًا وسياسيًا -مع إخضاع وسائلها للقانون الدولي- من دون الاستدعاء الكامل والعنيد للواقع الذي نشأت في مواجهته.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية