ما بين إزالة الأشجار وكلاب الجندويل... تناقض في مفهوم السلامة العامة
أثار مختص شؤون البيئة والتنمية باتر وردم تساؤلات حول مفهوم "السلامة العامة" وأولويات التعامل مع مصادر الخطر في المناطق السكنية، متوقفًا عند حملة إزالة الأشجار عن الأرصفة التي تنفذها أمانة عمّان، بالتزامن مع شكوى قال إنها تتعلق بكلاب شرسة تخرج ليلًا في أحد شوارع منطقة الجندويل وتهاجم المارة وسكان الحي.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن أمانة عمّان تنفذ حاليًا حملة واسعة النطاق لإزالة الأشجار عن الأرصفة، تحت مبرر يتعلق بـ"السلامة العامة"، متسائلًا عن المعايير التي تحدد ماهية الخطر الذي يستدعي تدخل الجهات المعنية، وعن مدى اتساق التعامل مع الأخطار المختلفة عندما تكون سلامة المواطنين هي العنوان المعلن.
وبيّن وردم أن الأشجار، في أصل طبيعتها، "كائنات حية لطيفة ثابتة في مكانها ولا تعض البشر"، في إشارة إلى ما يراه مفارقة بين شجرة ثابتة على رصيف يمكن تنظيم وجودها أو تقليمها أو معالجة وضعها، وبين خطر آخر، بحسب روايته، يتحرك في الشارع ويصل إلى المارة والمنازل.
وبيّن أن الحالة التي يشير إليها تقع في منطقة الجندويل، في شارع حيوي يضم، وفق وصفه، مراكز أمنية وحكومية ومنشآت تجارية إلى جانب المنازل الخاصة، ما يجعل مسألة السلامة في المكان ذات صلة مباشرة بحياة السكان والعاملين والمراجعين والمارة.
وقال وردم إن مجموعة من الكلاب التي وصفها بـ"الشرسة" تخرج بصورة متكررة من أحد المنازل خلال ساعات الليل، وتحديدًا في الفترة الممتدة من منتصف الليل وحتى ساعات الفجر، مشيرًا إلى أنها، بحسب ما نقل عن سكان المنطقة، لا تكون مربوطة أو برفقة أشخاص أثناء وجودها في الشارع.
وأشار إلى أن المشكلة تتعلق بحوادث ملاحقة وهجوم على أشخاص يستخدمون الشارع في ساعات متأخرة، لافتًا إلى أن من بين هؤلاء أشخاصًا يتوجهون إلى المساجد لأداء صلاة الفجر، وشبانًا يعملون في توصيل الطلبات خلال ساعات الليل.
وتابع وردم أن الأمر، وفق روايته، يتجاوز حدود الشارع العام في بعض الحالات، إذ تدخل الكلاب إلى حرم منازل خاصة، الأمر الذي يضيف إلى المشكلة بعدًا آخر يتعلق بشعور السكان بالأمان داخل محيط منازلهم، وليس فقط أثناء مرورهم في الشارع.
ونوّه إلى أن ما يزيد من أهمية القضية، بحسب قوله، أن سكان المنطقة لم يكتفوا بالتحدث عن المشكلة فيما بينهم، إذ جرى تقديم شكاوى إلى الجهات المعنية، معتبرًا أن وجود شكاوى متكررة بشأن خطر محدد يفترض أن يستدعي التحقق منه ميدانيًا، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات المناسبة إذا ثبت وجود مخالفة أو تهديد للسلامة.
وقال وردم إن موقع المشكلة "معروف للجهات المعنية"، متسائلًا عن سبب استمرارها، إذا كانت الشكاوى قد وصلت بالفعل إلى الجهات المختصة، ولماذا لا يُعالج الخطر بالجدية والسرعة اللتين يفترض أن تلازما أي ملف يتعلق بالسلامة العامة.
ولفت إلى أن جوهر المسألة، بالنسبة إليه، لا يتعلق بالدفاع عن الأشجار أو الاعتراض على إزالتها في الحالات التي تشكل فيها خطرًا حقيقيًا، وإنما بالسؤال عن اتساق معايير السلامة العامة، بحيث لا تصبح بعض مصادر الخطر أكثر حضورًا في الاستجابة الرسمية من مصادر أخرى.
وأضاف أن شجرة على الرصيف يمكن أن تكون موضع تقييم هندسي أو بيئي، وقد تحتاج إلى تقليم أو نقل أو إزالة إذا ثبت أنها تشكل خطرًا على المارة أو الممتلكات، لكن الخطر المتحرك الذي يلاحق الناس، إذا ثبت وجوده، يحتاج كذلك إلى استجابة تتناسب مع طبيعته، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشارع يستخدمه المواطنون في ساعات الليل والفجر.
وأشار وردم إلى أن سلامة المواطنين، منظومة تبدأ من الشارع وتمتد إلى الأحياء السكنية والمرافق العامة والمساحات التي يتحرك فيها الناس يوميًا.
ورأى وردم أن المفارقة التي يطرحها تستحق النقاش؛ فحين تكون "السلامة العامة" مبررًا لإزالة الأشجار، فإن المنطق ذاته يفترض أن يقود إلى التعامل مع أي خطر آخر يثبت أنه يعرض المواطنين للأذى، بصرف النظر عن طبيعته أو مصدره.
وقال إن السؤال الأوسع الذي تطرحه هذه الحالة متعلق بآلية ترتيب الجهات المعنية لأولويات السلامة العامة، وهل تعتمد على طبيعة الخطر ودرجة احتمالية وقوع الضرر، أم أن الاستجابة تتفاوت تبعًا للجهة التي يقع عليها الاختصاص أو لطبيعة الشكوى؟.
ولفت وردم إلى أن المواطنين لا يطلبون بالضرورة إجراءات استثنائية، بقدر ما يريدون أن يشعروا بأن الشكوى التي يقدمونها بشأن خطر يمس حياتهم اليومية تجد طريقها إلى المعالجة، وأن وجود المؤسسات في الحي أو قربه يعني قدرة أكبر على الاستجابة وليس مجرد حضور إداري.
وأضاف أن الثقة بالمؤسسات تتشكل أيضًا من تفاصيل صغيرة يعيشها المواطن كل يوم؛ من حفرة في الشارع، إلى إنارة معطلة، إلى شجرة تهدد المارة، أو حيوان قد يشكل خطرًا على الناس، مؤكدًا أن معيار المواطن في النهاية هو مدى شعوره بأن المؤسسة ترى المشكلة وتتعامل معها.
وخلص وردم إلى أن القضية، إذا ثبتت تفاصيلها، لا ينبغي أن تتحول إلى مواجهة بين محبي الأشجار أو الحيوانات وبين سكان الأحياء، وإنما إلى سؤال مؤسسي واضح حول كيفية حماية البيئة والحيوان، وفي الوقت ذاته نضمن حق المواطن في شارع آمن ومنزل آمن وحياة يومية خالية من المخاطر التي يمكن للجهات المختصة منعها أو الحد منها؟.







