البتراء بين المجد السياحي والتحدي الاقتصادي.. القضماني: ما الموانع أمام تحويلها إلى مدينة تدرّ دخلاً يوازي النفط؟
تواجه مدينة البتراء، إحدى أبرز الوجهات السياحية في الأردن والعالم، تحديات اقتصادية وسياحية متزايدة، رغم المكانة العالمية التي تحظى بها وما رافقها على مدى سنوات من حملات ترويج واهتمام محلي ودولي واسع.
ويرى الكاتب والمحلل الاقتصادي عصام القضماني أن دعوة وزير التعليم العالي الأسبق عادل الطويسي إلى اعتبار البتراء “منطقة منكوبة اقتصادياً” تستحق التوقف عندها، باعتبار أن المدينة التي يفترض أن تكون من أكثر المناطق قدرة على توليد الدخل السياحي، ما تزال تواجه صعوبات تحول دون انعكاس مكانتها العالمية على اقتصادها وأهاليها.
ويؤكد القضماني أن تراجع أعداد السياح نتيجة الظروف الإقليمية يعد أحد أسباب الأزمة، لكنه لا يمثل السبب الوحيد، مشيراً إلى وجود مسؤولية مشتركة بين الحكومة والمؤسسات الرسمية من جهة، وأهالي المدينة ومجتمعها المحلي من جهة أخرى، للوصول إلى صيغة تضمن تحقيق التنمية السياحية والاقتصادية المستدامة.
وبحسب رؤيته، فإن الأنشطة والفعاليات السياحية التي تنفذها وزارة السياحة في البتراء ينبغي أن تكون محل دعم وتشجيع من أبناء المدينة، لا أن تواجه بالاعتراض، باعتبار أن تنشيط الحركة السياحية يمثل مصلحة مباشرة للمدينة وسكانها.
ويشير القضماني إلى أن السياحة بالنسبة للبتراء ليست نشاطاً هامشياً، وإنما تمثل مصدر الدخل الأساسي للمدينة وأهلها، لافتاً إلى أن طبيعة المدينة التاريخية والجغرافية جعلت من السياحة الحرفة الرئيسية التي نشأ عليها سكانها واستمرت عبر أجيال.
ويضيف أن المدن حول العالم تتخصص اقتصادياً؛ فهناك عواصم سياسية، ومدن صناعية وتجارية، وأخرى متخصصة في التكنولوجيا، فيما توجد مدن سياحية خالصة، والبتراء يفترض أن تكون واحدة من أبرز النماذج العالمية في هذا المجال.
ويرى أن إدراج البتراء ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة عام 2007 شكّل محطة مفصلية في تاريخ المدينة، وأسهم في وصول أعداد الزوار في فترات سابقة إلى نحو مليون زائر، قبل أن تمر السياحة في المدينة بانتكاسات متتالية بفعل الظروف الإقليمية والتحديات التي أثرت على القطاع السياحي.
ويصف القضماني وضع البتراء اليوم بأنه “صعب”، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن المدينة ما تزال تقاوم وتسعى للحفاظ على ما حققته من نجاحات، في ظل ضغوط اقتصادية انعكست على المنشآت والمرافق السياحية وأثرت في قدرتها على الاستمرار والتوسع.
ولا تتوقف التحديات، وفق القضماني، عند أعداد السياح، إذ تواجه البتراء أيضاً حاجة إلى تطوير بنيتها التحتية، وتحسين المرافق والخدمات، وتنفيذ مشاريع سياحية جديدة، إلى جانب توفير الدعم للمشروعات والمنشآت القائمة حتى تتمكن من استكمال مسيرتها نحو العالمية.
ويشدد على أن البتراء لا تحتاج فقط إلى استعادة أعداد السياح، وإنما إلى رؤية اقتصادية متكاملة تجعل من مكانتها السياحية العالمية محركاً حقيقياً للتنمية في المدينة والجنوب والمملكة ككل.
ويطرح القضماني تساؤلاً جوهرياً حول قدرة السياحة على توفير عوائد اقتصادية تضاهي قطاعات كبرى، معتبراً أن ما يمكن أن توفره السياحة من دخل قد يضاهي في بعض الحالات ما توفره الثروات الطبيعية مثل النفط، الأمر الذي يستدعي، برأيه، البحث بعمق في الموانع التي تحول دون تحقيق البتراء كامل إمكاناتها الاقتصادية.
وتبقى البتراء، وفق هذه الرؤية، أمام معادلة واضحة: مدينة تمتلك شهرة عالمية استثنائية وكنزاً سياحياً فريداً، لكنها تحتاج إلى تحويل هذه المكانة إلى عوائد اقتصادية مستدامة تنعكس على سكانها وعلى الاقتصاد الوطني، وهو ما يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والمجتمع المحلي والقطاع السياحي، ورؤية تتجاوز إدارة الأزمة نحو بناء مستقبل سياحي واقتصادي أكثر استدامة.







