اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ما هي مشكلة الأردني باختصار؟... وماذا نريد منه؟

{title}
أخبار الأردن -

 

•    المواطن الأردني يدخل اليوم إلى الحياة العامة والاقتصادية محمّلًا بإرث طويل من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية

•    الأردنيين راهنوا طويلًا على المدرسة والجامعة باعتبارهما الطريق الطبيعي إلى حياة أفضل

•    الأردنيين اعتقدوا أن التعليم الوسيلة التي تفتح أبواب العمل وتحسن المكانة الاجتماعية وتمنح الفرد القدرة على المشاركة والإنتاج

•    المواطن الأردني حصل على شهادات أكثر مما حصل على معرفة، وعلى مؤهلات أكثر مما حصل على مهارات، وعلى سنوات دراسية طويلة دون أن يضمن ذلك قدرة حقيقية على التعامل مع اقتصاد متغير أو سوق عمل شديد المنافسة

•    المدرسة الأردنية، كما هو الحال في كثير من المجتمعات، تعاملت مع الطالب في جانب كبير منها باعتباره مشروعًا لوظيفة مستقبلية

•    اختزال الأردني في "مورد بشري" يفضي إلى سؤال ضيق مرتبط بكيفية إعداده لحاجة السوق؟

•    المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما يخرج الشاب من المدرسة والجامعة وهو يحمل سنوات طويلة من التعليم، لكنه يجد نفسه أمام سوق عمل لا يعرف كيف يدخله

•    الأردن يحتاج إلى الانتقال من التعامل مع المواطن باعتباره "تكلفة" في الموازنة أو رقمًا في سوق العمل إلى النظر إليه باعتباره رأس المال الحقيقي للدولة والمجتمع
•    الأردن يحتاج إلى إعادة وضع الإنسان في مركز مشروعه الوطني


قال الكاتب الدكتور إبراهيم الغرايبة إن أزمة الأردن لا تختصر في شح الموارد أو ضعف المؤشرات الاقتصادية، ذلك أنها تمتد إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بمكانة الإنسان نفسه في مشروع الدولة والتنمية؛ فحين يتحول المواطن من غاية للتنمية إلى مجرد "مورد بشري"، تصبح عملية التعليم والعمل والإنتاج منفصلة عن المعنى الحقيقي للحياة والكرامة والقدرة على صناعة المستقبل.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن المواطن الأردني يدخل اليوم إلى الحياة العامة والاقتصادية محمّلًا بإرث طويل من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، في وقت كان يفترض أن يكون التعليم بوابته إلى الاستقلال والتمكين والخروج من دوائر التهميش.

وبيّن الغرايبة أن الأردنيين راهنوا طويلًا على المدرسة والجامعة باعتبارهما الطريق الطبيعي إلى حياة أفضل، وعلى التعليم باعتباره الوسيلة التي تفتح أبواب العمل وتحسن المكانة الاجتماعية وتمنح الفرد القدرة على المشاركة والإنتاج، إلا أن النتيجة، بحسب رؤيته، جاءت في كثير من الأحيان مختلفة؛ إذ حصل المواطن على شهادات أكثر مما حصل على معرفة، وعلى مؤهلات أكثر مما حصل على مهارات، وعلى سنوات دراسية طويلة دون أن يضمن ذلك قدرة حقيقية على التعامل مع اقتصاد متغير أو سوق عمل شديد المنافسة.

وأشار إلى أن المشكلة لا تكمن في التعليم بوصفه فكرة، وإنما في الفلسفة التي حكمت التعليم والتنشئة الاجتماعية، موضحًا أن المدرسة الأردنية، كما هو الحال في كثير من المجتمعات، تعاملت مع الطالب في جانب كبير منها باعتباره مشروعًا لوظيفة مستقبلية، بدل أن تنظر إليه باعتباره إنسانًا يمتلك عقلًا وميولًا وقدرات وأسئلة وحقًا في أن يكتشف ذاته ويختار موقعه في الحياة.

ونوّه إلى أن هذا الاختزال ينعكس لاحقًا على المواطن عندما يدخل سوق العمل؛ إذ يصبح السؤال المطروح عليه: ما الوظيفة التي تستطيع أن تشغلها؟ بدل أن يكون السؤال: ماذا تستطيع أن تضيف؟ وما الذي يمكنك أن تتعلمه وتصنعه وتبتكره؟.

ولفت الغرايبة إلى أن الأردن امتلك على مدى عقود موارد وأصولًا ومؤسسات يفترض أن تشكل قاعدة لتنمية أكثر استدامة، من العقارات والأراضي إلى الفوسفات والموارد الطبيعية، وصولًا إلى رأس المال البشري، إلا أن المشكلة تكمن في أن الإنسان نفسه لم يتحول بالقدر الكافي إلى محور لهذه المعادلة.

وقال إن الحديث عن "الموارد البشرية" قد يبدو في ظاهره حديثًا اقتصاديًا متقدمًا، لكنه يحمل خطرًا حين يُختزل الإنسان في كونه موردًا قابلًا للاستخدام، مشيرًا إلى أن المواطن ليس موردًا مثل الأرض أو الفوسفات، وإنما هو صاحب الإرادة والعقل والقدرة على إنتاج المعرفة والثقافة والقيمة الاقتصادية والاجتماعية.

وأضاف أن اختزال الأردني في "مورد بشري" يفضي إلى سؤال ضيق مرتبط بكيفية إعداده لحاجة السوق؟، بينما ينبغي أن يكون السؤال أوسع ومتعلق بكيفية بناء إنسان قادر على فهم العالم، وصناعة المعرفة، والعمل، والتعلم المستمر، وتأسيس مشروعه، والمشاركة في مجتمعه، واتخاذ قراراته باستقلال ووعي؟.

ونوّه الغرايبة إلى أن هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في الأردن، حيث لم يعد الحصول على الشهادة الجامعية ضمانة للحصول على وظيفة، ولم تعد الوظائف التقليدية قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين، فيما تتغير المهن والمهارات المطلوبة بوتيرة متسارعة بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية.

وأشار إلى أن المواطن الأردني يحتاج، في هذه المرحلة، إلى تعليم يمنحه أدوات الحياة لا مجرد أوراق تثبت إتمامها؛ تعليم في العلوم واللغات والتكنولوجيا، لكنه يحتاج كذلك إلى التفكير النقدي، والقدرة على التعلم، والإبداع، والتواصل، والعمل الجماعي، وفهم المال والاقتصاد، والقدرة على التعامل مع التحولات المهنية.


وأضاف أن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما يخرج الشاب من المدرسة والجامعة وهو يحمل سنوات طويلة من التعليم، لكنه يجد نفسه أمام سوق عمل لا يعرف كيف يدخله، أو تخصص لا يحتاجه الاقتصاد، أو وظيفة لا توفر له الحد الأدنى من الاستقلال، أو اضطرار إلى الهجرة بحثًا عن فرصة تتناسب مع ما تعلمه.

وهنا، بحسب الغرايبة، تظهر المفارقة الأردنية بوضوح: الدولة تستثمر في تعليم الإنسان، ثم قد تخسره عندما يصبح قادرًا على المنافسة.

وقال إن خسارة المواطن الأردني لا تعني فقدان موظف أو خريج فحسب، وإنما تعني فقدان سنوات من الاستثمار في إنسان كان يمكن أن يكون منتجًا للمعرفة أو مؤسسًا لمشروع أو مساهمًا في المجتمع، داعيًا إلى إعادة النظر في مفهوم التنمية من أساسه.

وبيّن الغرايبة أن التنمية لا ينبغي أن تُقاس بعدد الأبنية والمشروعات العقارية، أو بحجم استخراج الموارد، أو بعدد الشهادات الجامعية، وإنما بقدرة المواطن على أن يعيش حياة مستقرة وكريمة، وأن يمتلك المعرفة والصحة والغذاء والعمل، وأن يكون قادرًا على اتخاذ قراراته والمشاركة في تشكيل مستقبله.

ولفت إلى أن الأردن يحتاج إلى الانتقال من التعامل مع المواطن باعتباره "تكلفة" في الموازنة أو رقمًا في سوق العمل إلى النظر إليه باعتباره رأس المال الحقيقي للدولة والمجتمع، مشيرًا إلى أن الاستثمار في الإنسان لا يبدأ فقط من الجامعة، وإنما من الأسرة والمدرسة والحي والمدينة ومؤسسات الثقافة والعمل والصحة.

وذكر الغرايبة أن إعادة بناء الإنسان الأردني تتطلب استعادة ما وصفه بمصادر التكوين الأساسية: الذات القادرة على التفكير والاستقلال، والفنون والآداب والفلسفة القادرة على توسيع أفق الإنسان، والعلم القادر على تفسير العالم، والطبيعة والكون باعتبارهما مجالًا مفتوحًا للمعرفة والاكتشاف.

وقال إن المواطن الذي لا يمتلك هذه المساحات من التكوين يصبح أكثر عرضة للخوف والانسحاب والتبعية، حتى لو امتلك شهادة جامعية أو وظيفة، لأن التعليم الذي لا يبني الثقة والقدرة على الفهم وصناعة القرار قد ينتج فردًا مؤهلًا على الورق، لكنه غير قادر على مواجهة المجهول.

ورأى الغرايبة أن الأردن يعيش اليوم لحظة تستدعي إعادة تعريف معنى الإصلاح نفسه.

فالإصلاح، وفق رؤيته، لا ينبغي أن يتوقف عند تعديل المناهج أو امتحان الثانوية العامة أو استحداث تخصصات جامعية جديدة، وإنما يجب أن يصل إلى السؤال الأساسي: أي مواطن نريد أن نبني؟، فهل نريد خريجًا يبحث عن وظيفة؟ أم إنسانًا قادرًا على خلق فرصته؟، هل نريد موظفًا يؤدي ما يُطلب منه؟ أم مواطنًا يستطيع التفكير والمبادرة والابتكار؟، هل نريد "موارد بشرية" تلبي احتياجات الاقتصاد؟ أم بشرًا قادرين على تطوير الاقتصاد وتغيير اتجاهاته؟

وأضاف أن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي يجب أن تحدد شكل المدرسة والجامعة وسوق العمل والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، لا أن تأتي هذه المؤسسات منفصلة عن بعضها، بحيث يتعلم الطالب شيئًا، ويطلب منه سوق العمل شيئًا آخر، وتنتظر الدولة منه نتيجة ثالثة.

وخلص الغرايبة إلى أن الأردن، يحتاج إلى إعادة وضع الإنسان في مركز مشروعه الوطني؛ فالعقار يمكن أن يُبنى، والفوسفات يمكن أن يُستخرج، والموارد يمكن أن تنضب، أما الإنسان القادر على المعرفة والإبداع والعمل وبناء المؤسسات، فهو المورد الذي يستطيع أن يجدد بقية الموارد ويخلق موارد جديدة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية