أسئلة حساسة حول اتفاقية «وادي عربة» وعلاقتها بسيناريو التهجير
طرح مستشار شؤون الأزمات ماهر أبو طير قراءة قانونية وسياسية للفقرة السادسة من المادة الثانية في معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية "وادي عربة"، متسائلًا عن مدى إمكانية الاستناد إليها في مواجهة أي سيناريو محتمل لتهجير قسري يستهدف سكان الضفة الغربية باتجاه الأردن، وما إذا كان من شأن مثل هذا التطور أن يشكل مساسًا بالتزامات المعاهدة والأمن الوطني للمملكة.
وأوضح في تصريح خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية، أن أهمية هذه الفقرة تتضاعف عند بحث احتمالات التهجير من الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن النص الإنجليزي الرسمي للمعاهدة يتضمن مبدأً مفاده أن "تحركات الأشخاص القسرية" ضمن مناطق سيطرة الطرفين، إذا كان من شأنها الإضرار بأمن أي منهما، ينبغي ألا يُسمح بها.
وبيّن أبو طير أن الدلالة القانونية والسياسية للنص تبدأ من طبيعة المصطلح المستخدم، إذ إنه لا يتناول حركة اللاجئين بصورة عامة، وإنما يشير تحديدًا إلى التحركات القسرية للسكان، الأمر الذي يجعله، وفق قراءته، ذا صلة مباشرة بأي محاولة لدفع سكان الضفة الغربية إلى مغادرة مناطقهم بصورة غير طوعية باتجاه الأراضي الأردنية، متى توافرت عناصر الإكراه والضرر الأمني.
وأضاف أن النص يربط هذه التحركات بمفهوم الأمن، وهو ما ينقل المسألة من نطاقها السكاني والديموغرافي إلى نطاق أكثر اتساعًا يتصل بالأمن الوطني للطرف المتضرر، لافتًا إلى أن حدوث تهجير جماعي باتجاه الأردن قد يجعل تداعياته الأمنية والسياسية جزءًا أساسيًا من النقاش حول مدى انطباق هذا الالتزام.
وأشار أبو طير إلى أن عبارة "ضمن مناطق سيطرتهما" الواردة في النص تكتسب أهمية خاصة، كونها تحدد الإطار الذي يتناوله الالتزام، مبينًا أن المعاهدة تتناول تحديدًا التحركات القسرية التي تقع ضمن مناطق سيطرة أحد الطرفين ويترتب عليها ضرر بأمن الطرف الآخر.
ولفت إلى أن هذه القراءة تصبح أكثر حساسية في حال نشوء عملية تهجير قسري من مناطق واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية باتجاه الأردن، إذ يمكن، بحسب تقديره، قراءة النص باعتباره يفرض التزامًا على الطرف المسيطر بعدم السماح بحركة سكانية قسرية من شأنها الإضرار بأمن الطرف الآخر.
وشدد أبو طير في الوقت ذاته على أن هذا التفسير لا يعني أن المعاهدة تمنح الأردن حق إدارة الضفة الغربية أو التدخل العسكري فيها، فهو يضع، وفق قراءته، إطارًا تعاقديًا يتعلق بمنع التحركات السكانية القسرية التي يمكن أن تلحق ضررًا بأمن المملكة.
وحذر من المبالغة في القوة التنفيذية المباشرة للنص، موضحًا أن الفقرة السادسة من المادة الثانية لا تتضمن آلية إجرائية تفصيلية للتعامل مع سيناريو التهجير، ولا تحدد سقفًا عدديًا يبدأ عنده الإخلال، أو إجراءات محددة لوقف عملية تهجير، أو لجنة رقابية، أو ترتيبات تنفيذية مباشرة، الأمر الذي يجعل قوتها الأساسية متمثلة في بعدها القانوني والسياسي والتعاقدي أكثر من كونها بروتوكولًا تنفيذيًا مكتمل الأدوات.
وفي سياق متصل، لفت إلى أن المادة الثالثة من معاهدة "وادي عربة"، المتعلقة بالحدود، رسمت الحدود الدولية بين الأردن وإسرائيل، مع تضمينها إشارة إلى أن ذلك لا يمس وضع الأراضي التي أصبحت تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي عام 1967.
ورأى أن هذه الصياغة تحمل دلالة قانونية وسياسية مهمة، باعتبار أنها لا تتعامل مع الضفة الغربية بوصفها جزءًا من إسرائيل، ولا تنشئ، من خلال ترتيبات الحدود، وضعًا قانونيًا جديدًا للأراضي التي وقعت تحت الاحتلال عام 1967، الأمر الذي يمنح، بحسب تقديره، الفقرة المتعلقة بالتحركات القسرية مساحة إضافية للنقاش عند إسقاطها على سيناريو التهجير.
وطرح أبو طير سؤالًا محوريًا حول إمكانية احتجاج الأردن بالفقرة السادسة من المادة الثانية في حال بدء عملية تهجير قسري من الضفة الغربية، مستطردًا أن ذلك يمكن أن يستند، من حيث المبدأ، إلى أساس سياسي وقانوني معتبر إذا توافرت العناصر التي يتطلبها النص، وفي مقدمتها ثبوت صفة الإكراه ووجود ضرر أو تهديد لأمن المملكة.
وفي المقابل، فرّق بين حق الأردن في الاحتجاج بالنص وبين النتائج القانونية التي يمكن أن تترتب عليه، متابعًا أن الفقرة لا تمنح المملكة، بمفردها، حق التدخل العسكري في الضفة الغربية، كما أنها لا تنشئ آلية تلقائية لوقف أي عملية تهجير.
ولفت أبو طير إلى أن جوهر الأسئلة القانونية المطروحة يتمحور حول عدة مستويات؛ أولها ما إذا كان النص يشمل التحركات القسرية للسكان، وثانيها مدى انطباقه على تهجير قسري من الضفة الغربية باتجاه الأردن، وثالثها ما إذا كان يترتب عليه حق في التدخل العسكري، فضلًا عن السؤال المتعلق بوجود آلية تنفيذية مباشرة لوقف التهجير.
ونوّه إلى أن القراءة الأقوى للنص، من وجهة نظره، تتمثل في اعتباره التزامًا على الطرف المسيطر بعدم السماح بتحركات سكانية قسرية من شأنها الإضرار بأمن الطرف الآخر، دون أن يعني ذلك أن المعاهدة نفسها تقدم آلية تنفيذية تفصيلية لمعالجة مثل هذا السيناريو.
وأضاف أن السؤال الأكثر خطورة يبدأ عند بحث ما إذا كان التهجير الجماعي من الضفة الغربية باتجاه الأردن يمكن أن يشكل إخلالًا جوهريًا بمعاهدة وادي عربة، وما الأدوات التي يمكن أن يتيحها القانون الدولي للأردن إذا تحول هذا الاحتمال إلى واقع ميداني.
وأشار إلى أن الإجابة عن هذا المستوى من الأسئلة تستدعي دراسة أوسع تشمل اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، وأحكام معاهدة وادي عربة ذاتها، وقرارات مجلس الأمن، وقواعد القانون الدولي الإنساني، مؤكدًا أن القضية عند هذه النقطة تتجاوز مجرد تفسير فقرة واحدة إلى بحث منظومة الأدوات القانونية والسياسية والدبلوماسية المتاحة أمام الأردن.
وقال أبو طير إن جوهر المسألة لا يكمن في وجود النص وحده، وإنما في مدى احترام الالتزامات الدولية وتحويل النصوص التعاقدية إلى أدوات فعل سياسي وقانوني، معتبرًا أن التجارب السابقة، وفي مقدمتها مسار اتفاق أوسلو، تطرح أسئلة جدية حول فاعلية الاتفاقيات عندما تتبدل الوقائع السياسية والميدانية.
ونوّه إلى أن الرهان الأردني، في هذا السياق، يظهر في القدرة على توظيف النصوص القانونية ضمن منظومة متكاملة من الضغط السياسي والدبلوماسي والقانوني والمساءلة الدولية، خصوصًا إذا تحول التهجير من مجرد احتمال إلى خطر مباشر يمس الأمن الوطني الأردني.







