اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

كيف ينظر الأردن للهجمات الإيرانية في ضل تراجع المظلة الأمنية العربية؟

{title}
أخبار الأردن -

حذّر أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور بدر الماضي من أن التصعيد الإيراني الراهن لا يمكن اختزاله في إطار الرد العسكري على الولايات المتحدة، معتبرًا أن طهران تسعى، في جانب أساسي من تحركاتها، إلى فرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة، من خلال توسيع نطاق الضغوط والاعتداءات لتطال دولًا عربية، بينها دول الخليج والأردن.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن إيران لا تبدو راغبة في الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة واسعة مع الولايات المتحدة، كما حدث في جولات الصراع السابقة، لكنها تحاول إدارة المواجهة بصورة غير مباشرة، عبر استهداف دول يرى أنها جزء من المنظومة الأمنية والسياسية الأميركية في المنطقة.

وبيّن الماضي أن طهران تراهن، من خلال هذه الضربات، على إحراج واشنطن ووضعها تحت ضغوط حلفائها العرب، بحيث تنتقل تداعيات المواجهة من الساحة الإيرانية إلى دول الخليج والأردن، مشيرًا إلى أن الرسالة الإيرانية لا تقتصر على الضغط على الولايات المتحدة، وإنما تحمل كذلك رسائل مباشرة إلى دول الخليج بشأن مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة.

وأضاف أن إيران تريد، من خلال هذه المقاربة، التأثير في البيئة الإقليمية المحيطة بها، وإيصال رسالة مفادها أن أي تغيير في النظام السياسي الإيراني أو تدمير لبنية الثورة والحرس الثوري ستكون له انعكاسات على أمن واستقرار دول الخليج، بما فيها نماذج التنمية والاستقرار التي بنتها خلال السنوات الماضية.

وفي ما يتعلق بإسرائيل، رأى الماضي أن إحجام إيران عن توجيه ضربات مباشرة إليها يرتبط بحسابات متعددة، في مقدمتها الرغبة في تجنب رد إسرائيلي واسع قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب، معتبرًا أن طهران تدرك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يجد في أي هجوم إيراني مباشر فرصة لتبرير رد عسكري كبير وتحقيق مكاسب سياسية داخلية.

وفي المقابل، أشار إلى اختلاف الحسابات الأميركية، معتبرًا أن الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة ومفتوحة مع إيران قد يفرض على الإدارة الأميركية كلفة سياسية داخلية مرتفعة، في وقت تواجه فيه ضغوطًا سياسية متزايدة.

واستبعد الماضي في المرحلة الحالية اندلاع حرب إقليمية شاملة، معتبرًا أن الولايات المتحدة انتقلت إلى استخدام الضغط الاقتصادي والحصار باعتباره أداة أكثر تأثيرًا في إضعاف إيران من المواجهة العسكرية المباشرة.

وقال إن هذا الضغط لا يقتصر على إيران، وإنما يطال، بصورة أو بأخرى، الدول المحيطة بها، من خلال تشديد القيود على حركة التجارة والحدود، وهو ما يضع الاقتصاد الإيراني تحت ضغط متزايد، ويدفع ثمنه المواطن الإيراني بالدرجة الأولى.

ورأى الماضي أن الهدف من استمرار الضغط الاقتصادي قد يتجاوز إجبار إيران على التفاوض، إلى محاولة إحداث خلخلة داخلية تضعف قدرة النظام على إدارة الدولة، مستشهدًا بتجارب تاريخية استخدمت فيها الولايات المتحدة العقوبات والحصار الاقتصادي كبديل عن الحرب المباشرة.

وحول المستفيد من استمرار الصراع، قال إن المنطقة، في مجملها، تقف أمام معادلة "الجميع خاسر"، باستثناء إسرائيل التي تستطيع توظيف حالة الضعف الإقليمي لخدمة أهدافها السياسية والأمنية.

وأشار الماضي  إلى أن استمرار الصراع يتيح لإسرائيل استثمار حالة الضعف العربي، وتعزيز نفوذها، وفرض ترتيبات أمنية جديدة على حدودها وفي محيطها الإقليمي، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة، بحسب تقديره، خسائر سياسية نتيجة تصاعد الغضب الشعبي العربي تجاه سياساتها.


الشرق الأوسط أمام قواعد جديدة

وبحسب الماضي، فإن المشهد المقبل لا يتجه بالضرورة إلى حرب إقليمية مفتوحة، وإنما إلى إعادة رسم قواعد النفوذ في الشرق الأوسط، خصوصًا مع تراجع الدور الإيراني ومحاولة الولايات المتحدة صياغة ترتيبات إقليمية جديدة.

ورأى أن واشنطن تسعى إلى إعادة ترتيب المنطقة بما يسمح بإدماج إسرائيل ضمن منظومة إقليمية أوسع، لكن هذا المسار يواجه شروطًا عربية، خصوصًا من السعودية، ترتبط بضرورة إحراز تقدم في الملف الفلسطيني قبل الانتقال إلى خطوات أكبر في مسار التطبيع.

وفي الوقت نفسه، حذّر الماضي من أن إسرائيل لا تزال تنظر إلى نفسها بوصفها القوة الأكثر قدرة على فرض قواعد اللعبة الإقليمية، في محاولة للانتقال من مرحلة تقاسم النفوذ بين القوى الإقليمية إلى مرحلة نفوذ إسرائيلي أكثر انفرادًا.

ونوّه إلى أن نجاح هذا التصور سيبقى مرتبطًا بقدرة الولايات المتحدة على ضبط الطموحات الإسرائيلية، وبقدرة الدول العربية المؤثرة على إعادة بناء أدوات قوتها السياسية والأمنية والاقتصادية.

"الأمن العربي الجماعي" في مهب التحولات

وفي خلاصة حديثه، وافق الماضي على توصيف المرحلة بأنها تمثل تراجعًا واضحًا في مفهوم الأمن العربي الجماعي، معتبرًا أن المظلة الأمنية العربية لم تعد قائمة بالصورة التي يفترض أن تكون عليها.
وقال إن دولًا عربية ذات ثقل إقليمي انشغلت خلال السنوات الماضية بأوضاعها الداخلية، ولم تستثمر بما يكفي في بناء دور جماعي قادر على التعامل مع التحولات الإقليمية ومواجهة تنامي النفوذ الإسرائيلي.

وحذّر من أن استمرار هذا الواقع قد يقود إلى مرحلة تضطر فيها كل دولة عربية إلى البحث عن أمنها منفردة، سواء من خلال قدراتها الذاتية أو عبر تحالفاتها الخارجية، في ظل ما وصفه بـ"شهية مفتوحة لدى اليمين الإسرائيلي المتطرف" لتوسيع النفوذ وإعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية للمنطقة.

وخلص الماضي إلى أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة صعبة، عنوانها الأبرز إعادة توزيع النفوذ، وتراجع المظلة الأمنية العربية، ومحاولة إسرائيل الاستفادة من حالة الفراغ والضعف الإقليمي لفرض معادلة أمنية جديدة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية