حصر الخطاب الرسمي بالوزير المختص ضرورة لضبط المشهد والحد من "الهرطقة"
قال خبير علم الاجتماع الأستاذ الدكتور إسماعيل الزيود، إن حالة التباين التي تطال الخطاب العام، بين حين وآخر، نتيجة صدور تصريحات متباينة أو غير منضبطة من أكثر من جهة، تستدعي إعادة النظر في منظومة الاتصال الرسمي وآليات إدارة التصريحات الحكومية، بما يكفل وضوح المرجعيات، ويضع المسؤولية في سياقها المؤسسي الصحيح، ويحول دون إنتاج تداعيات مجتمعية لا تُحمد عقباها.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الأصل في القضايا والملفات الحكومية أن يتولى الوزير المختص الحديث عنها، بوصفه صاحب الولاية المباشرة على الملف، والأقدر على تقديم المعلومات من مصادرها، وشرح خلفيات القرارات والسياسات، والتعبير عن الموقف الرسمي بصورة دقيقة ومتسقة؛ ذلك أن تعدد منابر التصريح، ولا سيما حين تصدر المواقف عن جهات لا ترتبط مباشرة بالملف موضوع النقاش، من شأنه أن يفتح الباب أمام تضارب الروايات، ويشوّش على المعلومة، ويُربك المتلقي، فضلًا عن إمكان تحوله إلى وقود سريع لإثارة الرأي العام.
وبيّن الزيود أن المشكلة تكمن في انتقال الرأي غير المؤسس أو التصريح غير المحسوب من فضاء التعبير الفردي إلى المجال العام، حيث تتضاعف قدرته على التأثير، وتتسع دوائر تأويله، وقد يتحول، بفعل التداول الإعلامي والاجتماعي، إلى قضية رأي عام تتجاوز بكثير مقصد مطلق التصريح.
ولفت إلى أن بعض التصريحات التي تظهر بين فترة وأخرى تفتقر إلى التقدير الكافي لحجم المسؤولية المترتبة عليها، ولا تأخذ في الحسبان السياق الاجتماعي والسياسي الذي تستقبل فيه، الأمر الذي يجعلها قابلة لإنتاج الجدل والاحتقان بدل أن تؤدي وظيفتها الأصلية في التوضيح والتفسير وطمأنة الجمهور.
وشدد الزيود على أن الخطاب العام ليس مساحة مفتوحة للاجتهاد غير المنضبط، ولا سيما حين يصدر عن مسؤول أو شخصية عامة، لأن صفة المتحدث وموقعه الوظيفي يضفيان على كلامه وزنًا يتجاوز حدود الرأي الشخصي، ويمنحانه قابلية لأن يُقرأ بوصفه مؤشرًا على توجه رسمي أو موقف مؤسسي.
ونوّه إلى أن ضبط التصريحات الحكومية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تقييدًا للتعبير، بقدر ما يمثل تنظيمًا لمسارات المعلومة وحمايةً لوحدة الخطاب الرسمي، مستطردًا أن وضوح المتحدث الرسمي واختصاصه بالملف يعززان المساءلة، ويحدان من الالتباس، ويمنعان انتقال المسؤولية من المؤسسة إلى دائرة التصريحات المتضاربة.
وخلص الزيود إلى أن إدارة الرأي العام تبدأ من إدارة المعلومة ذاتها؛ فكلما كان الخطاب الرسمي أكثر اتساقًا، وأكثر ارتباطًا بالاختصاص، وأشد احترازًا في تقدير مآلاته، أمكن للمؤسسات أن تحافظ على رصيد الثقة العامة، وأن تحول دون أن تتحول "الهرطقة" في التصريحات إلى أزمة تتغذى على سوء الفهم وتضارب الرسائل.







