الضفة تقترب من "نقطة تحول" خطيرة على الأردن تداركها
قال أستاذ العلوم السياسية الدكتور محمد أبو رمان إن ما تشهده الضفة الغربية والقدس خلال الفترة الأخيرة، وإن بدا امتدادًا تصاعديًا لسياسات الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو من توسع استيطاني وتقويض للوجود الفلسطيني، إلا أنه يحمل مؤشرات على تحول أكثر خطورة تنتقل معها السياسات الإسرائيلية إلى مستوى أكثر حدة في فرض الوقائع على الأرض.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن التصعيد المتزايد في عنف المستوطنين واتساع حضور جماعات متطرفة كـ"فتيان التلال"، بالتوازي مع التضييق على المؤسسات والمدارس الفلسطينية في القدس، ومشروع E1 وتداعياته على التواصل الجغرافي بين مناطق الضفة، تسعى لإنتاج بيئة يصبح فيها انعدام الأمن الإنساني جزءًا من الحياة اليومية، معتبرًا أن هذا المسار يمثل انتقالًا نوعيًا في طبيعة الصراع، حتى وإن بدا في ظاهره استمرارًا كميًا لسياسات سابقة.
ولفت أبو رمان إلى أن خطورة المرحلة تكمن أيضًا في تنامي دور جماعات المستوطنين المتطرفة، التي تقترب في ممارسة الضغط والعنف والترهيب من منطق العصابات الصهيونية التي نشطت قبل قيام إسرائيل، مثل الهاغاناه وشتيرن.
ونوّه إلى أن تداعيات هذه التحولات على الأردن ترتبط مباشرة بالأمن القومي والمصالح الاستراتيجية، في ظل صعود الخطاب الصهيوني المتطرف وتزايد المخاوف من سيناريوهات التهجير القسري أو "الطوعي"، إلى جانب وجود أعداد كبيرة من حملة الجوازات الأردنية المقيمين في الضفة الغربية، وما تفرضه القدس والتشابك التاريخي والجغرافي بين الأردن والضفة من تحديات إضافية.
وأوضح أبو رمان أنه لا يبدو واقعيًا التعويل على الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أو احتمال خروج نتنياهو من المشهد لإعادة إسرائيل تلقائيًا لمسار التسوية، معتبرًا أن التحولات التي طرأت على المجتمع والسياسة الإسرائيليين تتجاوز شخص نتنياهو نفسه، لتمس طبيعة البيئة السياسية التي تنتج القرار الإسرائيلي برمته.
وتساءل أبو رمان: "ما الذي سيفعله الأردن إذا انهارت الفرضيات التي قامت عليها سياسته السابقة؟"، في ظل تعرض مشروع الدولة الفلسطينية لمزيد من التآكل، والسلطة الفلسطينية لمزيد من التقويض والاختزال، معتبرًا أن هذا السؤال بات يستدعي نقاشًا استراتيجيًا يتجاوز ردود الفعل الآنية.
وحدد اتجاهين رئيسيين في النقاش الأردني الحالي؛ الأول يدعو إلى "الاتجاه شرقًا بدلًا من غربًا" والانكفاء عن الملف الفلسطيني باعتباره خارج الحدود، وهو تصور اعتبره أبو رمان متجاهلًا لخصوصية العلاقة الأردنية بالضفة من حيث الجغرافيا والتاريخ والديمغرافيا والأمن، أما الاتجاه الثاني فيدرك خطورة التحولات لكنه يقتصر على التصعيد الدبلوماسي والسياسي، وهو مسار ضروري لكنه لم يعد كافيًا وحده وفق تعبيره.
ودعا أبو رمان إلى تطوير اتجاه ثالث يعتبر الضفة والقدس مجالًا حيويًا للأمن القومي الأردني، وينتقل من إدارة ردود الأفعال إلى وضع خطة عمل استراتيجية متكاملة بأهداف واضحة وأدوات تنفيذ وموارد وآليات لقياس النتائج.
وانتقد تكرار شعار "تعزيز صمود الفلسطينيين" في الخطاب السياسي الأردني دون ترجمته إلى استراتيجية قابلة للتنفيذ والقياس، متسائلًا عن المقصود الفعلي بالصمود والأدوات والموارد الكفيلة بتحويله إلى برنامج عملي واضح.
وشدد أبو رمان على أن جسر الملك حسين ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره "رئة حيوية" للفلسطينيين في الضفة الغربية، لا مجرد معبر حدودي، خصوصًا في ظل سياسات تدفع نحو عزل الضفة وتحويلها لفضاء شديد الانغلاق، مستطردًا أن الأمر ذاته ينطبق على ملف القدس والمقدسات، الذي يستدعي مقاربة أردنية عربية أكثر تكاملًا لمواجهة المشروع الإسرائيلي المتصاعد.
وخلص إلى أن الضفة الغربية بالنسبة للأردن قضية متشابكة مع الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية والعلاقات التاريخية والاجتماعية، مشددًا على أن التحولات الراهنة تفرض على الأردن الانتقال من سؤال "كيف يرفض ما يحدث؟" إلى سؤال أكثر إلحاحًا: "ما الخطة الأردنية للتعامل مع اليوم التالي لتآكل مشروع الدولة الفلسطينية؟"، معتبرًا أن الإجابة عن هذا السؤال تمثل أحد أكثر التحديات إلحاحًا أمام الدولة والنخب الأردنية في المرحلة الراهنة.







