تريدون العفو العام؟.. ماذا بعد حادثة القويسمة؟
شهدت منطقة القويسمة في العاصمة عمّان، فجر الأربعاء، اعتداءً عنيفًا طال صاحب محل لتصليح المركبات، في واقعة تكشف عن تدرجٍ خطير من نزاعٍ مالي عابر إلى فعل عنفٍ مكتمل الأركان، إذ تعود جذور الحادثة إلى خلافٍ نشأ بعدما طالب الميكانيكي بأجرة إصلاح مركبة كان أصحابها قد تركوها لديه لإجراء أعمال الصيانة.
وبحسب المعطيات المتداولة، لم تلبث المطالبة المالية أن تصاعدت إلى اعتداءٍ خطير، بعدما أقدم ثلاثة أشخاص على ملاحقة صاحب المحل ومحاولة دهسه، قبل أن تتسع دائرة الاستهداف لتطال أبناءه أيضًا، وصولًا إلى استخدام منشارٍ كهربائي مخصص أصلًا لأعمال قطع الأشجار، في مشهدٍ ينمّ عن استباحةٍ واضحة لحرمة الجسد، أسفر عن إصابة الضحية إصابةً بالغة في قدمه تسببت بقطع أوتارها.
وعقب تلقي البلاغ، تحركت الأجهزة الأمنية إلى موقع الحادثة وألقت القبض على الأشخاص الثلاثة، فيما فُتح تحقيقٌ يُفترض أن يفضي إلى تحديد المسؤوليات وملابسات الواقعة تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وفي قراءته المعمّقة للحادثة، قال أستاذ علم الاجتماع الأستاذ الدكتور حسين الخزاعي إن الواقعة، بمعزلٍ عن مسارها القضائي الذي تختص به الجهات المعنية حصرًا، تنطوي على دلالةٍ تتجاوز حدودها الجنائية الضيقة، لتفتح بابًا أرحب للنقاش حول هيبة القانون ومنعة الأمن المجتمعي ومبررات الدعوات المتصاعدة إلى العفو العام.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن ما يستدعي التوقف ليس الفعل بذاته بقدر ما هو نمطه المتكرر، إذ باتت مشاهد الاعتداء والعنف تتجاوز، في غير ما حالة، حدود الخلافات البسيطة، لتنقلب إلى أفعالٍ تُهدد حياة المواطنين وسلامتهم الجسدية بصورةٍ مباشرة.
وتساءل الخزاعي، كيف يمكن لخلافٍ مبتدَؤه أجرة إصلاح مركبة أن ينتهي إلى ملاحقةٍ ومحاولة دهسٍ واستخدام أداةٍ كهربائية حادة وإصابةٍ بالغة؟، مضيفًا أن الإجابة عن هذا السؤال لا تكتمل بمجرد إحالة القضية إلى مسارها القانوني، إذ إن المعالجة اللاحقة، وإن كانت ضرورية، تبقى قاصرة ما لم تقترن بوقفةٍ جادة عند الأسباب العميقة التي تدفع بعض الخلافات اليومية العابرة نحو هذا المنسوب من العنف المفرط، بما يجعل من هذه الحادثة عيّنةً كاشفة لا واقعةً معزولة.
وانتقل إلى تناول ملف العفو العام، مشيرًا إلى أن حساسية النقاش فيه تزداد كلما اقترن بسياقاتٍ من هذا النوع، موضحًا أن أي طرحٍ جاد لهذا الملف يفترض موازنةً دقيقة ومسؤولة بين اعتبارين لا يجوز التفريط بأيٍّ منهما: الاعتبارات الاجتماعية والإنسانية من جهة، وحماية المجتمع وردع الاعتداء وصون حق المواطنين في الأمن والسلامة من جهةٍ أخرى.
وتابع الخزاعي أن غياب هذا التوازن يُفرغ النقاش من جديته، ويحوّله من مقاربةٍ إصلاحية إلى مجرد استجابةٍ آنية لضغوطٍ اجتماعية لا تراعي كلفتها البعيدة.
وشدد على أن العفو العام، أيًا كانت دوافعه أو مبرراته، لا ينبغي أن يتحول في الوعي الجمعي إلى رسالةٍ ضمنية مفادها أن الاعتداء فعلٌ بلا كلفة، أو أن الخلافات الشخصية يمكن أن تُحسم بمنطق القوة بدلًا من سيادة القانون، لافتًا إلى أن هذا التحول في الإدراك العام، إن حدث، لا يقتصر أثره على الحالات الفردية، بل يمتد ليُقوّض الرادع الاجتماعي للعنف ككل.
وأضاف الخزاعي أن هذه الفئة من مرتكبي الجرائم لا تخشى القانون أصلًا، ولا تُحسب أي حسابٍ للإجراءات المستقبلية التي قد تترتب على أفعالها، موضحًا أن كثيرًا منهم باتوا معتادين على أجواء السجون ومراكز الإصلاح والتأهيل والمحاكم، خصوصًا فئة مكرري الجرائم، الذين لا يضعون في حسبانهم أي عقابٍ منتظر، بخلاف الأطراف الأخرى المتضررة من هذه الجرائم، والتي غالبًا ما تكون أطرافًا مسالمة لا علاقة لها بالجريمة، لكنها تجد نفسها ضحيةً لعمليات ترهيبٍ وتخويفٍ تُفرض عليها بالقوة، سواء بهدف انتزاع "مسامحة" أو للحيلولة دون حصول أصحاب الحق على حقوقهم.
وكشف عن مؤشرٍ رقمي لافت، مبينًا أن نسبة 39% من نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل الحاليين هم من مكرري الجرائم، معتبرًا أن هذه النسبة تعني أن الجريمة، بالنسبة لهذه الفئة، تحوّلت إلى ما يشبه "المهنة" أو السلوك المعتاد الذي لا يثير لديهم أي حرج أو رادع، خاصة أن كثيرًا منهم لا يشاركون أصلًا في البرامج الإصلاحية داخل مراكز التأهيل.
ولفت الخزاعي إلى عاملٍ إضافي يغذي هذا النمط من السلوك، مشيرًا إلى إدمان بعض هذه الفئة على المخدرات وتعاطي الكحول، وهو ما يمنحهم، بحسب تعبيره، دافعية إضافية نحو ارتكاب الجريمة.
وطالب بتغليظ العقوبات المفروضة على هذه الفئة من المجرمين الخطرين، داعيًا الحكام الإداريين كافة إلى عدم السماح لهم بالخروج إلى الشارع مجددًا حتى بعد انتهاء مدة محكوميتهم، عبر تفعيل آلية التوقيف والحجز الإداري بحقهم، لافتًا إلى أن أي خروجٍ لهؤلاء إلى الشارع يعني، من وجهة نظره، احتمالية متجددة لارتكاب الجريمة من جديد.
وأشار الخزاعي إلى بُعدٍ إضافي لهذه الظاهرة يتصل بصورة الأردن الخارجية، موضحًا أن تكرار مثل هذه الجرائم يعطي انطباعًا سلبيًا عن المجتمع الأردني قد ينعكس سلبًا على قطاع السياحة والاقتصاد وبنية المجتمع ذاته، وهو ما يجعل مسألة تشديد العقوبة وعدم التساهل في الإفراج، بحسب رأيه، أولويةً لا يجوز التهاون فيها.
العفو العام: نعم لكن بشروط
وفي معرض تناوله ملف العفو العام تحديدًا، أوضح الخزاعي أن العفو، إن كان لا بد منه، ينبغي أن يقتصر على الجرائم البسيطة التي لا تتجاوز مدة محكوميتها السنة، وألا تكون منطوية على قتلٍ أو عنفٍ أو مخدرات أو إيذاءٍ للآخرين أو اعتداءٍ على ممتلكاتهم أو ترويعٍ وتخويف. وشدد على أن الحديث عن عفوٍ عامٍ يشمل مرتكبي جرائم البلطجة والعنف، على أمل أن "يخرجوا للشارع ثم يعودوا لارتكاب الجرائم"، أمرٌ مرفوضٌ على الإطلاق.







