اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

المجالي يكتب: عالمية العقبة: حين يلتقي الدعم الملكي بالاقتصاد الأزرق

{title}
أخبار الأردن -

 

نضال المجالي


في لحظات التحول الكبرى، لا تتشكل المدن من الجغرافيا وحدها، بل من الرؤية التي تقودها، والإرادة التي تصوغ ملامح مستقبلها. والعقبة اليوم، وبعد رحلة بدأت من انطلاقة محطة العلوم البحرية في العام (1978)، مرورًا بتأسيس المتنزه البحري عام (1990)، تبعها إرادة ملكية لإعلان محمية العقبة البحرية عام (2000)، وصولًا إلى تسجيل محمية العقبة البحرية في قائمة التراث العالمي الطبيعي لدى اليونسكو قبل أيام، تقف عند واحدة من تلك اللحظات الفارقة، لحظة تتقاطع فيها الإرادة السياسية العليا مع الحراك المؤسسي والمجتمعي بهوية عالمية، لتعيد تعريف دور المدينة ومكانتها في الإقليم والعالم.
 

لقد شكّل الدعم الملكي المباشر للعقبة نقطة ارتكاز أساسية في تسريع وتيرة التحول، ليس فقط من حيث الدفع بالمشاريع الإستراتيجية، بل أيضًا في ترسيخ نهج متكامل يقوم على استثمار الموارد الطبيعية بعقلانية، وتحويل التحديات إلى فرص نوعية. هذا الدعم لم يكن تقليديًا في طبيعته، بل جاء برؤية مستقبلية واضحة تُدرك أن البحر ليس مجرد امتداد جغرافي، بل هو مورد اقتصادي طبيعي ومعرفي وثقافي قادر على إعادة تشكيل هوية المدينة.
وفي هذا الإطار، يبرز التقدم المتسارع بيئيًا والذي حقق اليوم إدراج محمية العقبة البحرية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو كإنجاز تراكمي لجهود ليست حديثة، كانت قد انطلقت منذ سنوات لتتجاوز البعد البيئي إلى أفق أوسع من الاعتراف الدولي. فالمحمية ليست فقط نظامًا بيئيًا فريدًا، بل تمثل نموذجًا حيًا لإمكانية التوفيق بين الحماية والاستثمار، بين الحفاظ على الإرث الطبيعي وتوظيفه في بناء اقتصاد مستدام. وإذا ما اكتملت حلقات ترابط هذا المسار واستثمرت بنجاح، فإن العقبة ستدخل مرحلة جديدة من الحضور العالمي، قائمة على التميز البيئي والقيمة المضافة.
غير أن ما يمنح هذا التحول عمقه الحقيقي هو ذلك التلاقي اللافت بين الجهود الرسمية والمبادرات المحلية، مدعومة بوعي مجتمعي متنام بأهمية البيئة البحرية. فالمجتمع المحلي لم يعد مجرد متلق لنتائج التنمية، بل شريك فاعل في صياغتها، وهو ما يعزز فرص الاستدامة ويمنح المشاريع بعدًا أكثر رسوخًا واستمرارية.
ومن هنا، يمكن قراءة ما يجري في العقبة بيئيًا باعتباره تمهيدًا لانتقال نوعي خلال العقد القادم، انتقال يرتكز على استقطاب نوعي في السياحة البيئية، يتجاوز النمط التقليدي نحو تجارب أكثر تخصصًا وارتباطًا بالطبيعة البحرية، إلى جانب تطوير الصناعات الزرقاء التي تعتمد على المعرفة والتكنولوجيا، وتفتح آفاقًا جديدة لفرص العمل والاستثمار.
وفي سياق مواز، تقترب المدينة من تحقيق خطوة مفصلية تتمثل في تأسيس مركز متخصص يُعنى بالاقتصاد الأزرق بجهود تطويرية عمرانية مباشرة تديرها شركة تطوير العقبة محليًا، ليكون منصة تجمع بين البحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال. مثل هذا المركز لا يمثل مجرد إضافة مؤسسية، بل يشكل بنية تحتية معرفية قادرة على إنتاج الحلول، وتصدير الخبرات، وربط العقبة بشبكات عالمية في هذا المجال الحيوي.
ولا يقل أهمية عن ذلك الاستعداد لإطلاق أول جائزة دولية متخصصة في الابتكار والريادة الزرقاء، وهي مبادرة فردية سجلت كعلامة تجارية رسميًا يسير بجانبها اهتمام مؤسسي رسمي من سلطة منطقة العقبة ووزارة البيئة، تحمل في طياتها أبعادًا إستراتيجية عميقة. بما ستستقطبه من مشاركات عالمية، ستضع العقبة على خريطة الاهتمام السنوي للمبتكرين والباحثين ورواد الأعمال، لتتحول إلى منصة عرض للأفكار الخلاقة، ومختبر مفتوح لتبادل التجارب، ونافذة لإبراز قصص النجاح في الاقتصاد الأزرق بما يمنحها دورًا يتجاوز الحدود المحلية نحو التأثير الإقليمي والدولي.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى ما يحدث في العقبة بيئيًا باعتباره سلسلة من المشاريع المنفصلة، بل هو مشروع متكامل يعيد صياغة هوية المدينة على أسس جديدة، هوية تقوم على المعرفة، وتحترم البيئة، وتستثمر في الإنسان. ومع استمرار هذا الزخم، المدعوم برؤية ملكية واضحة واهتمام بمتابعة مستمرة من ولي العهد وجهود مؤسسية ومجتمعية متكاملة، تبدو العقبة أقرب من أي وقت مضى إلى التحول إلى نموذج عالمي في الاقتصاد الأزرق.
إنها لحظة تأسيس، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لحظة قد تكتب للعقبة فصلًا جديدًا في تاريخها، عنوانه: «من مدينة ساحلية واعدة إلى مركز عالمي جاذب للنوعية والابتكار وبنك جيني للحياة البحرية القادرة على التكيف مع التغير المناخي».

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية