اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خبيرة تتحدث عن فرصة استثنائية لن تتكرر للأردن... ما هي؟

{title}
أخبار الأردن -

 

•    أزمة مضيق هرمز كشفت هشاشة الاعتماد الأحادي على المسارات البحرية

•    المنطقة دخلت سباقًا حقيقيًا لتحديد من سيرسم خريطة التجارة الجديدة في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة

•    الأردن يمتلك فرصة استثنائية للانتقال من مجرد معبر للبضائع إلى مركز لوجستي إقليمي متكامل

•    الإغلاق أو التعطيل الذي أصاب مضيق هرمز مثّل صدمة استراتيجية أعادت العالم سنوات إلى الوراء

•    العالم لا يستطيع الاستغناء عن الممرات البحرية، ونحو 90% من حركة التجارة العالمية ما تزال تعتمد على النقل البحري

•    الممرات البرية رغم أهميتها المتزايدة تواجه تحديات تشغيلية، وتشريعية، وأمنية أكثر تعقيدًا

•    الأحداث فرضت على الحكومات والمؤسسات الاقتصادية البحث عن مسارات احتياطية أكثر قدرة على امتصاص الصدمات

•    الأردن يمتلك عناصر تنافسية يصعب توافرها مجتمعة في كثير من دول المنطقة وفي مقدمتها الموقع الجغرافي الذي يتوسط المشرق العربي

•    مستقبل الأردن الاقتصادي ينبغي أن يُبنى على إعادة تعريف دوره في التجارة الإقليمية باعتباره مركزًا لإدارة التدفقات اللوجستية،

•    نجاح الاردن في تحقيق هذا التحول سيجعل العالم يعمل عبر الأردن

 

قال خبيرة سلاسل التوريد والاقتصاد اللوجستي الدكتورة مها الشيخ إن ما تشهده منطقة الشرق الأوسط اليوم لا يتعلق بإحياء مشاريع تاريخية أو إعادة تشغيل خطوط نقل قديمة فحسب، وإنما يعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا في فلسفة التجارة العالمية، يتمحور حول إعادة بناء منظومة الممرات الاقتصادية بعد أن كشفت أزمة مضيق هرمز هشاشة الاعتماد الأحادي على المسارات البحرية، معتبرة أن المنطقة دخلت سباقًا حقيقيًا لتحديد من سيرسم خريطة التجارة الجديدة في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة، فيما يمتلك الأردن فرصة استثنائية للانتقال من مجرد معبر للبضائع إلى مركز لوجستي إقليمي متكامل.

وأوضحت في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الإغلاق أو التعطيل الذي أصاب مضيق هرمز مثّل صدمة استراتيجية أعادت العالم سنوات إلى الوراء، بعدما انهارت حالة اليقين التي كانت تحكم حركة التجارة الدولية، وأصبح السؤال المطروح يتمثل في مدى قدرة الأسواق العالمية على ضمان استمرار تدفق البضائع والطاقة عبر ممر واحد قابل للتعطل بفعل الأزمات الجيوسياسية.

وبيّنت أن ما يُعرف باقتصاديات الممرات بات اليوم أحد أكثر العلوم حضورًا في دوائر التخطيط الاستراتيجي، إذ تنظر الدول إلى الممرات باعتبارها منظومات اقتصادية متكاملة تشمل النقل والتخزين والتوزيع والخدمات اللوجستية والتشريعات والاستثمارات، الأمر الذي يفسر عودة الحديث بقوة عن مشاريع الربط البري وسكك الحديد الممتدة بين الخليج والأردن وسوريا وتركيا.

وشددت الشيخ على أن العالم لا يستطيع الاستغناء عن الممرات البحرية، مستطردة أن نحو 90% من حركة التجارة العالمية ما تزال تعتمد على النقل البحري، في حين لا تتجاوز حصة النقل البري والجوي مجتمعة النسبة المتبقية، الأمر الذي يجعل الحديث عن إحلال الممرات البرية محل البحرية طرحًا غير واقعي، وإنما يندرج ضمن بناء بدائل استراتيجية قادرة على تقليل المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد عند وقوع الأزمات.

وأضافت أن الممرات البرية، رغم أهميتها المتزايدة، تواجه تحديات تشغيلية، وتشريعية، وأمنية أكثر تعقيدًا، إذ تتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، ومنظومات متقدمة لإدارة النقل والتخزين وتتبع الشحنات، إضافة إلى تنسيق دائم بين الدول، ومراقبة الحدود، ومعالجة مخاطر التهريب والانقطاعات السياسية، وهي عوامل تجعل كلفتها أعلى بكثير مقارنة بالنقل البحري.

ورأت الشيخ أن أزمة مضيق هرمز لم تُحدث نقصًا في البضائع بقدر ما أحدثت خللًا في اقتصاديات النقل نفسها، ذلك أن المشكلة لم تكن في الإنتاج أو الطلب فقط، وإنما في انقطاع التدفقات اللوجستية التي تربط الأسواق العالمية ببعضها، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار التأمين، وتكدس الحاويات، وازدحام الموانئ، وتأخر وصول الشحنات، وارتفاع كلف النقل والتشغيل.

ونوّهت إلى أن التجارب السابقة، سواء خلال جائحة كورونا أو اضطرابات باب المندب أو الحرب الروسية الأوكرانية، دفعت المؤسسات الدولية إلى إعادة تقييم منظومة سلاسل التوريد العالمية، إلا أن أزمة هرمز شكّلت نقطة التحول الحقيقية، لأنها استهدفت أحد أهم الشرايين التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي في نقل الطاقة، الأمر الذي فرض على الحكومات والمؤسسات الاقتصادية البحث عن مسارات احتياطية أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.

وذكرت الشيخ أن المشاريع المطروحة حاليًا، وفي مقدمتها إحياء سكة حديد الحجاز وربط الخليج بتركيا عبر الأردن وسوريا، ينبغي النظر إليها بوصفها جزءًا من إعادة بناء الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة، موضحة أن نجاحها مرهون بوجود إدارة تشغيلية متكاملة، واستقرار سياسي، وتشريعات موحدة، ومنظومة لوجستية متقدمة، لا بمجرد إنشاء البنية التحتية.

وفي معرض تفسيرها للفارق بين دولة العبور والمركز اللوجستي، أوضحت الشيخ أن كثيرًا من الدول لا تزال تنظر إلى الممرات باعتبارها مصدرًا لتحصيل الرسوم والإيرادات فقط، في حين أن المفهوم الحديث للاقتصاد اللوجستي يتجاوز ذلك بكثير، إذ يقوم على تحويل الدولة إلى منصة متكاملة لإدارة حركة البضائع وإعادة توزيعها إقليميًا، بما يحقق قيمة مضافة مستدامة تتجاوز العوائد التقليدية.

وبيّنت أن المركز اللوجستي لا يقوم على الطرق والموانئ وحدها، إذ يتطلب منظومة تشغيلية مترابطة تضم جمارك ذكية، وإجراءات تخليص سريعة، وقدرات تخزينية عالية، ومستودعات متطورة، ومنصات رقمية لإدارة البيانات، إلى جانب كوادر متخصصة في سلاسل التوريد والهندسة الصناعية وإدارة المخزون وتحليل العرض والطلب، مؤكدة أن العنصر البشري والإدارة التشغيلية لا يقلان أهمية عن البنية التحتية نفسها.

وأضافت أن مفهوم الإدارة التشغيلية المرنة أصبح اليوم أساس نجاح أي مركز لوجستي عالمي، موضحة أن المرونة تعني القدرة على التعامل مع الأزمات من جانب، ووجود منصة موحدة لتبادل البيانات بين جميع الأطراف، تشمل الجمارك، والموانئ، وشركات النقل، والمستودعات، والمناطق الحرة من جانبٍ آخر، بما يسمح باتخاذ القرار بصورة فورية ويختصر زمن الإفراج عن البضائع ويخفض الكلف التشغيلية.

وانتقدت في هذا السياق غياب ثقافة مشاركة البيانات في كثير من الدول العربية، معتبرة أن المعلومات لا تزال تعمل ضمن جزر منفصلة، حيث تحتفظ كل جهة ببياناتها بصورة مستقلة، وهو ما يحول دون بناء منصة لوجستية متكاملة قادرة على إدارة حركة التجارة بكفاءة، ويُبقي معظم هذه الدول ضمن تصنيف دول عبور لا مراكز لوجستية.

وركزت الشيخ على الحالة الأردنية، مشيرة إلى أن المملكة تمتلك عناصر تنافسية يصعب توافرها مجتمعة في كثير من دول المنطقة، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي الذي يتوسط المشرق العربي، وميناء العقبة، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، وامتداد الصحراء الأردنية القابل لاستيعاب المناطق اللوجستية، فضلًا عن شبكة المعابر البرية والاستقرار السياسي، وهي مقومات تمنح الأردن أفضلية طبيعية للتحول إلى منصة توزيع إقليمية إذا ما أُحسن استثمارها.

وأوضحت أن الأردن يستطيع الانتقال من نموذج "الممر" إلى نموذج "المحور"، بحيث تصبح البضائع القادمة إليه لا تعبر فقط إلى الدول المجاورة، وإنما تُعاد إدارتها وتوزيعها وتخزينها داخل المملكة، على غرار التجربة التي نجح بها ميناء جبل علي في الإمارات، الذي تحول من ميناء تقليدي إلى مركز لوجستي يخدم أسواق الشرق الأوسط بأكملها.

ورأت أن تحقيق هذا التحول يتطلب ضخ استثمارات وتمويلات كبيرة في المرحلة الأولى، لأن مرحلة ما بعد أزمة هرمز تحتاج إلى تمويل قادر على بناء البنية التحتية الرقمية واللوجستية، وتطوير المستودعات، وربط الموانئ بالمناطق الصناعية وشبكات النقل، مؤكدة أن التعافي الحقيقي من أزمات سلاسل التوريد يبدأ من الاستثمار في البنية اللوجستية قبل أي شيء آخر.

وخلصت الشيخ إلى أن مستقبل الأردن الاقتصادي ينبغي أن يُبنى على إعادة تعريف دوره في التجارة الإقليمية باعتباره مركزًا لإدارة التدفقات اللوجستية، ومنصة لتوزيع البضائع، ومركزًا للمعرفة التشغيلية في سلاسل التوريد، معتبرة أن نجاح المملكة في تحقيق هذا التحول سيجعل العالم يعمل عبر الأردن.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية