هل نسيتم غزة؟... هناك ما يحدث بداخلها
قال الصحفي الفلسطيني من غزة وسام عفيفة إن قطاع غزة ما زال معلقًا دون حسم لوضعه الإداري، مضيفًا أن حل لجنة متابعة العمل الحكومي في القطاع، والشروع في ترتيب تسليم المسؤوليات التنفيذية إلى اللجنة الوطنية المكلفة بإدارته، وضعت مؤسسات مثقلة أصلًا بالحرب، وخدمات بالكاد تعمل، وموظفين ينتظرون وضوحًا بشأن مرجعيتهم ومستقبلهم، أمام مرحلة انتقالية مفتوحة بلا جدول زمني محدد.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أنه رغم اتخاذ ترتيبات مؤقتة لمنع حدوث فراغ إداري وضمان استمرار ما تبقى من الخدمات الأساسية، فإن إطالة أمد هذا الانتظار تحمل مخاطر جدية، معتبرًا أن الإدارة القائمة لا يمكنها البقاء طويلًا في منطقة وسطى بين الحل والتسليم، ولا يمكن مطالبة جهاز حكومي أنهكته الحرب بإدارة احتياجات السكان دون غطاء سياسي ومالي واضح المعالم.
واعتبر عفيفة أن حل اللجنة الحكومية جاء كخطوة فلسطينية عملية لتهيئة المجال أمام اللجنة الوطنية، واستجابة لمسار سياسي تقوده خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أن الخطوة المقابلة المنتظرة لم تأتِ حتى اللحظة.
وكشف استنادًا إلى معطيات متداولة عن اجتماعات مغلقة عقدها "مجلس السلام" في مدينة آيا نابا القبرصية، أن النقاش تركز على إطلاق مشروع تجريبي في رفح، يقوم على انسحاب إسرائيلي محدود داخل ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، ودخول اللجنة الوطنية إلى المنطقة بالتزامن مع نشر قوة الاستقرار الدولية، موضحًا أن هذا المشروع بقي معلقًا في غياب موافقة إسرائيلية نهائية، أو توقيع على اتفاق وضع القوات المعروف بـ"SOFA" الذي يحدد الوضع القانوني للقوات الدولية وصلاحياتها، إلى جانب غياب أي جدول زمني لدخول اللجنة أو التزامات مالية كافية لبدء العمل الفعلي.
وأشار عفيفة إلى أن المعطيات المتداولة تكشف عن تعليق تعهدات تمويلية تُقدَّر بنحو 17 مليار دولار، وهو ما أضاف عقبة مالية إضافية إلى جانب المأزقين السياسي والميداني القائمين أصلًا.
ولفت إلى أن النقاشات داخل مجلس السلام تكشف عن خلاف يتجاوز التفاصيل التقنية البحتة، مستطردًا أن هناك اتجاهًا يدفع نحو بدء تجربة محدودة في رفح، في مقابل اتجاه آخر يحذر من أن تتحول هذه الخطوة إلى إدارة منفصلة لمنطقة صغيرة، بما يكرّس تقسيم غزة فعليًا ويفتح الباب أمام نقل السكان إليها، بدلًا من تمكين اللجنة الوطنية من إدارة القطاع بأكمله كوحدة واحدة.
واعتبر عفيفة أن رفح باتت بذلك أكثر من مجرد مشروع تجريبي، إذا إنها تمثل اختبارًا حقيقيًا لجوهر الخطة الأميركية نفسها، فهل يُراد للجنة الوطنية أن تكون إدارة فلسطينية انتقالية لكامل قطاع غزة بوصفه وحدة جغرافية وسياسية واحدة، أم مجرد غطاء مدني لترتيبات جزئية تُنفَّذ داخل مناطق يحددها الاحتلال بنفسه؟
وذكر أن ممثلي اللجنة الوطنية عبّروا، وإن بصورة خجولة بحسب وصفه، عن رفضهم لأي تقسيم للقطاع، وتمسكهم بضرورة الربط بين الانسحاب الإسرائيلي وتسلم الإدارة وإعادة الإعمار وترتيبات السلاح معًا كملف واحد متكامل، معتبرًا أن فصل هذه الملفات عن بعضها يمنح الاحتلال فرصة انتقاء ما يخدم أهدافه الأمنية فقط، دون الوفاء بالتزاماته السياسية والميدانية المقابلة.
وشدد عفيفة على أنه لم يعد مقبولًا، بعد حل اللجنة الحكومية، أن تظل اللجنة الوطنية صامتة، مطالبًا إياها بتوضيح ما يمكن الإفصاح عنه بشأن اجتماعاتها واتصالاتها، وما الذي يمنعها فعليًا من الدخول إلى غزة، ومن يتحمل مسؤولية تأخير اتفاق القوات والتمويل والانسحاب، معتبرًا أن غياب المعلومات يفتح المجال أمام الاحتلال لنقل مسؤولية التعطيل إلى الجانب الفلسطيني.
وأكد ضرورة تثبيت حقيقة واضحة أمام الإعلام والدوائر السياسية الغربية، قبيل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة، مفادها أن الجانب الفلسطيني اتخذ خطوة فعلية وتحمّل تبعات إدارية وخدمية من أجل إنجاح عملية الانتقال، في حين لم تقدم حكومة الاحتلال أي استحقاق مقابل حتى الآن، معتبرًا أن الاختبار الحقيقي اليوم لم يعد في ملعب غزة، وإنما أمام الإدارة الأميركية و"مجلس السلام"، اللذين يقفان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الضغط من أجل انتقال متزامن ومنظم يشمل القطاع كاملًا، أو ترك المؤسسات والسكان في انتظار مفتوح، بينما تتحول الخطة تدريجيًا من مسار لإنقاذ غزة إلى أداة جديدة لإدارة أزمتها وتكريس تقسيمها.







