العدّ التنازلي لتغيير كبير في المنطقة بدأ
قال مدير برنامج الدراسات الإيرانية في مركز الدراسات الإقليمية الأستاذ الدكتور نبيل العتوم إن المهلة التي منحتها الولايات المتحدة لإيران لا يُتوقع أن تُحدث تحولًا جوهريًا في سلوك طهران، معتبرًا أن النظام الإيراني اعتاد خلال السنوات الماضية على انتهاج سياسة المماطلة وكسب الوقت، وأنه يتعامل مع المفاوضات باعتبارها وسيلة لإدارة الأزمة وإطالة أمدها، لا لإنهائها أو الوصول إلى تسوية نهائية.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن منح إيران أسبوعًا إضافيًا يعكس انتقال واشنطن من مرحلة الضغوط المفتوحة إلى مرحلة اتخاذ القرار، حيث بات الخيار محصورًا بين التوصل إلى اتفاق أو الانتقال إلى جولة جديدة من التصعيد، مضيفًا أن الإدارة الأمريكية تسعى من خلال هذه المهلة إلى اختبار النوايا الإيرانية ومدى استعدادها للالتزام بتفاهمات حقيقية، خاصة في ظل استمرار أعمال الإنشاء في مواقع نووية تحت الأرض.
وبيّن العتوم أن مواصلة البناء في منشآت نووية محصنة تُعد، من وجهة النظر الأمريكية، مؤشرًا بالغ الخطورة على غياب الجدية الإيرانية في الالتزام بأي اتفاق نووي مستقبلي، مستطردًا أن هذه المواقع يصعب استهدافها عسكريًا، كما يصعب التحقق من طبيعة الأنشطة التي تجري داخلها، في ظل استمرار غياب عمليات التفتيش الدولية وتعليق التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأشار إلى أن التصريحات الإيرانية الأخيرة، التي حصرت عمليات التفتيش بمنشأة بوشهر النووية، تحمل رسالة واضحة برفض تمكين الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الوصول إلى منشآت أكثر حساسية، وفي مقدمتها منشأة نطنز، الأمر الذي يعمق الشكوك الدولية بشأن وجود برنامج موازٍ بعيدًا عن الرقابة الدولية.
ونوّه العتوم إلى أن هذه التطورات ستنعكس مباشرة على موازين القوى داخل الإدارة الأمريكية، إذ ستمنح التيار المتشدد، الذي ينظر بعين الريبة إلى المفاوضات مع إيران، مزيدًا من المبررات للضغط باتجاه تشديد العقوبات أو اللجوء إلى خيارات أكثر صرامة، انطلاقًا من قناعته بأن أي اتفاق مع طهران لن يكون قابلًا للتنفيذ إذا استمرت في الاحتفاظ بمشروع نووي سري موازٍ.
وتابع أن المشهد داخل إيران لا يقل تعقيدًا عن المشهد الخارجي، موضحًا أن جزءًا من المؤسسة الحاكمة لا يثق أصلًا بأي اتفاق مع الولايات المتحدة، ولذلك يصر على مواصلة المشروع النووي بصورة موازية، باعتباره الضمانة الأساسية لاستمرار النظام والحفاظ على عناصر الردع الاستراتيجي.
وأشار العتوم إلى أن طبيعة النظام الإيراني تجعل عملية اتخاذ القرار شديدة التعقيد، واصفًا إياه بأنه "نظام متعدد مراكز القوة"، تتصدره المؤسسة العسكرية للحرس الثوري، ولا سيما التيار المتشدد الذي يعتقد أن كلفة المواجهة العسكرية أقل من كلفة تقديم تنازلات استراتيجية قد تهدد بقاء النظام.
وذكر أن الحرس الثوري يسعى إلى إعادة توجيه الاهتمام الأمريكي نحو ملفات أخرى، وفي مقدمتها مضيق هرمز، بهدف تأجيل حسم الملفات الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها البرنامج النووي، معتبرًا أن طهران تستخدم أوراقها الإقليمية لإطالة أمد التفاوض وكسب مزيد من الوقت.
وقال العتوم إن المؤسسة الأمنية الإيرانية لا تزال تعتبر امتلاك القدرة على تصنيع السلاح النووي خيارًا استراتيجيًا لا يمكن التخلي عنه، مستشهدًا بتصريحات سابقة لمسؤولين إيرانيين تحدثوا عن إمكانية تعديل العقيدة النووية، وعن قدرة إيران على تصنيع قنبلة نووية خلال فترة وجيزة إذا اتُخذ القرار السياسي بذلك.
وأشار إلى أن الرئيس الإيراني لا يمتلك التأثير الحاسم في إدارة هذا الملف، موضحًا أن التجارب السابقة أظهرت محدودية صلاحياته أمام نفوذ الحرس الثوري، مستشهدًا بما حدث عندما بادر الرئيس الإيراني إلى التواصل مع عدد من دول الخليج، قبل أن يعمد الحرس الثوري، بعد ساعات، إلى تنفيذ هجمات صاروخية استهدفت عددًا من دول المنطقة، في رسالة عكست أن القرار النهائي لا يصدر عن المؤسسة التنفيذية وحدها.
ونبّه العتوم إلى أن الضغوط الاقتصادية، رغم حدتها، لا تبدو كافية لتغيير حسابات النظام الإيراني، موضحًا أن القيادة الإيرانية تعتبر الحفاظ على بقائها أولوية تتقدم على الاعتبارات الاقتصادية والمعيشية، ولذلك فهي تسعى إلى تخفيف العقوبات والإفراج عن جزء من الأموال المجمدة بما يسمح لها بالاستمرار، دون تقديم تنازلات تمس جوهر مشروعها الاستراتيجي.
واستطرد قائلًا إن المسؤولين الإيرانيين أنفسهم يلوحون بإمكانية الانسحاب من أي اتفاق مستقبلي متى تغيرت الظروف السياسية، كما حدث بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، وهو ما يعزز الشكوك الغربية بشأن استدامة أي تفاهم جديد.
وخلص العتوم إلى أن الأزمة الإيرانية لم تعد اقتصادية بقدر ما أصبحت أزمة بقاء بالنسبة للنظام، ذلك أن المؤشرات الاقتصادية تكشف حجم الضغوط الداخلية، مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وتعثر صناديق التقاعد، إلا أن القيادة الإيرانية، بحسب تقديره، لا تزال تعتبر المحافظة على أدوات الردع الاستراتيجية أهم من معالجة الانهيار الاقتصادي، لأنها ترى أن خسارة مشروعها الاستراتيجي تعني، في نهاية المطاف، خسارة النظام نفسه.







