الساعات القادمة قد تغرق المنطقة في الظلام
• استراتيجية إيران قائمة على إدارة الأزمة لا حلّها، وإدارة التفاوض لا الوصول إلى اتفاق نهائي يُرضي الأطراف الإقليمية والدولية
• تسريبات بشأن وجود وثيقة سرية موازية لما أُعلن من تفاهمات
• وجود تفاهمات غير معلنة تتعلق بملفات شديدة الحساسية
• طهران ستواصل سياسة المماطلة وكسب الوقت مع إبقاء ورقة مضيق هرمز جاهزة للاستخدام كلما تعثرت المفاوضات أو ارتفعت الضغوط
• إغلاق مضيق هرمز يعد أداة ضغط تفاوضية تهدف إلى رفع كلفة الحرب، وإرباك أسواق الطاقة
• إغلاق مضيق هرمز ينقل مركز الثقل في التفاوض من الملف النووي إلى ملف الملاحة الدولية وأمن الطاقة
• ترامب ينظر للاتفاق على أنه إنجاز سياسي وانتصار تفاوضي أمام الداخل الأميركي
• احتمالات بخروج الحرب باتفاق إطار هجين مع الحرس الثوري الإيراني
• العالم بصدد التعامل مع نظام ذي طبيعة شبه ميليشياوية
• الوقائع تطرح سؤالًا مشروعًا حول ما إذا كانت إسرائيل ستلتزم أصلًا بأي اتفاق جديد
• المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية
قال مدير برنامج الدراسات الإيرانية في مركز الدراسات الإقليمية الأستاذ الدكتور نبيل العتوم إنّ السلوك الإيراني في المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة لا يعكس توجّهًا جادًا نحو تسوية شاملة ومستقرة، بقدر ما يكشف عن استراتيجية إيرانية قائمة على إدارة الأزمة لا حلّها، وإدارة التفاوض لا الوصول إلى اتفاق نهائي يُرضي الأطراف الإقليمية والدولية.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن التسريبات المتداولة بشأن وجود وثيقة سرية موازية لما أُعلن من تفاهمات، تفتح الباب أمام قراءة أكثر تعقيدًا لطبيعة الاتفاق المطروح، موضحًا أنّ قِصر النص المنشور وغموضه لا يعنيان بالضرورة ضعف الاتفاق، إذ قد يشيران إلى أن جوهر التفاهم الحقيقي يجري تمريره عبر القنوات الخلفية، لا عبر النصوص المعلنة للرأي العام.
وبيّن العتوم أنّ وسائل إعلام دولية، من بينها CNN ونيويورك تايمز، تحدثت عن وجود تفاهمات غير معلنة تتعلق بملفات شديدة الحساسية، لافتًا إلى أن القضايا الجوهرية المرتبطة بالتخصيب النووي، والمنشآت النووية، والعقوبات، والأموال الإيرانية المجمدة ما تزال، على ما يبدو، محل أخذٍ وردّ ومساومات معقّدة، وهو ما يفسّر مساحة الغموض التي تحيط بالاتفاق.
وأشار إلى أنّ واشنطن وطهران تبدوان، في هذه المرحلة، وكأنهما بحاجة إلى اتفاقين في آنٍ واحد، الأول، اتفاق حقيقي غير معلن يُدار خلف الأبواب المغلقة ويتضمن التفاهمات الفعلية؛
والثاني، رواية سياسية داخلية موجهة إلى جمهور كل طرف بما يحفظ له ماء الوجه ويمنع ظهور أي منهما بمظهر المتنازل.
وأوضح العتوم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد أن يقدّم الاتفاق، إن تمّ، بوصفه إنجازًا سياسيًا وانتصارًا تفاوضيًا أمام الداخل الأميركي، من دون أن يبدو كمن قدّم تنازلات لإيران، لا سيما بعد الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية للحرب، وفي المقابل، تسعى إيران إلى تخفيف الضغوط ورفع العقوبات من دون أن تظهر داخليًا بمظهر الدولة التي رضخت للشروط الأميركية، الأمر الذي يجعل الغموض المقصود أداةً سياسية ضرورية للطرفين.
وقال إن الوثيقة التي جرى التوقيع عليها إلكترونيًا تبدو أقرب إلى إطار سياسي عام يؤسس لمسار تفاوضي يمتد لـ60 يومًا، أكثر من كونها اتفاقًا تنفيذيًا حاسمًا يعالج فورًا الملفات النووية المعقدة، مضيفًا أن هذا يثير سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كانت طهران ستواصل سياسة المماطلة وكسب الوقت، مع إبقاء ورقة مضيق هرمز جاهزة للاستخدام كلما تعثرت المفاوضات أو ارتفعت الضغوط.
وشدد العتوم على أن إغلاق مضيق هرمز يعد أداة ضغط تفاوضية تهدف إلى رفع كلفة الحرب، وإرباك أسواق الطاقة، ونقل مركز الثقل في التفاوض من الملف النووي إلى ملف الملاحة الدولية وأمن الطاقة.
وأضاف أن طهران تحاول، من خلال هذه الورقة، إعادة صياغة أولويات التفاوض بحيث يصبح العالم منشغلًا بسلامة الممرات البحرية واستقرار الإمدادات النفطية، بدل التركيز على أصل الأزمة المتمثل في البرنامج النووي الإيراني، والبرنامج الصاروخي، والنفوذ الإقليمي للحرس الثوري.
ورأى العتوم أن هذا السلوك الإيراني يهدف أيضًا إلى مساومة الولايات المتحدة عبر الإيحاء بأن طهران ما تزال تمتلك أوراق ردع حساسة يمكنها توظيفها سياسيًا وأمنيًا كلما دعت الحاجة، سواء عبر ورقة هرمز أو عبر التهديد بردود عسكرية رمزية أو غير مباشرة في ساحات إقليمية متعددة.
وحذّر من أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال خروج الحرب باتفاق إطار هجين مع الحرس الثوري الإيراني، من دون حسم القضايا الجوهرية المرتبطة بالنووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي، معتبرًا أن ذلك سيؤسس لمعادلة شديدة الخطورة مفادها أن استخدام القوة، وحافة الهاوية، والابتزاز الإقليمي، يمكن أن يتحول إلى وسيلة مشروعة لانتزاع مكاسب تفاوضية.
ولفت العتوم إلى أن مثل هذا السيناريو من شأنه أن يمنح الحرس الثوري الإيراني شرعية سياسية غير مباشرة، ويكرّس حضوره بوصفه لاعبًا فوق الدولة، لا مجرد مؤسسة عسكرية داخلها، مشيرًا إلى أن جزءًا من قياداته مدرج أصلًا على قوائم الإرهاب الدولية، وبعض أسمائه ارتبطت بملفات تفجيرات وعمليات خارج الحدود.
وقال إنّ المشكلة الأخطر تتمثل في أن العالم، في حال قبل بهذا النمط من التفاهمات الغامضة، سيكون عمليًا بصدد التعامل مع نظام ذي طبيعة شبه ميليشياوية، لا مع دولة مؤسسات تقليدية، وهو ما ينعكس سلبًا على الأمن الإقليمي والأمن الدولي، لأن منطق هذا النظام، وفق تعبيره، يقوم على المراوغة، والضغط، والقرصنة السياسية، واستخدام التوترات بوصفها أدوات تفاوض.
وفي معرض حديثه عن البعد الإسرائيلي في المشهد، قال العتوم إن إسرائيل كانت تاريخيًا عامل تعطيل وإرباك في أي مسار تفاوضي أميركي–إيراني، مشيرًا إلى أن تل أبيب لم تكتفِ برفض الاتفاق النووي لعام 2015، إذ شرعت عمليًا في تنفيذ سياسات هجومية ممنهجة استهدفت البرنامج النووي الإيراني من خلال الاغتيالات، والهجمات السيبرانية، وسرقة الأرشيف النووي، واستهداف العلماء والمنشآت الحساسة.
وأضاف أن إسرائيل اغتالت عددًا من أبرز العلماء النوويين الإيرانيين، وفي مقدمتهم محسن فخري زاده، ونفذت عمليات نوعية عطّلت البرنامج النووي وأخّرت بعض مراحله، كما حصل في هجوم ستاكس نت وغيره من العمليات التي استهدفت البنية التقنية للبرنامج الإيراني، معتبرًا أن هذه الوقائع تطرح سؤالًا مشروعًا حول ما إذا كانت إسرائيل ستلتزم أصلًا بأي اتفاق جديد، حتى لو وُقّع بين طهران وواشنطن.
وأشار إلى أن الاتفاق الحالي، إذا صحّت التقديرات بشأنه، لا يجوز أن يكون اتفاقًا ناقصًا يكتفي بملف التخصيب أو بالجوانب التقنية الضيقة، إذ يجب أن يتناول، بصورة متكاملة، المسارات الأربعة الكبرى، وهي: البرنامج النووي، والبرنامج الصاروخي، والنفوذ الإقليمي الإيراني، والمسيّرات ودعم التنظيمات المسلحة، محذرًا من أن أي اتفاق لا يعالج هذه الملفات مجتمعة سيقود المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة واضطرابًا، لأنه سيعيد إنتاجه بصيغة أكثر تعقيدًا، مع منح الحرس الثوري مزيدًا من الوقت لإعادة التموضع وتعزيز أدواته.
وفي تقييمه لبنية السلطة داخل إيران، قال العتوم إن التوقيع على الاتفاق من قبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لا يعني بالضرورة أن القرار بيده، معتبرًا أن الرئيس الإيراني لا يحكم فعليًا بقدر ما يُستخدم لتلطيف الأجواء وتدوير الزوايا، في حين يبقى القرار الحقيقي بيد الحرس الثوري ومراكز القوة الصلبة داخل النظام.
وأضاف أن التجارب السابقة أظهرت محدودية قدرة الرئيس الإيراني على ضبط سلوك الدولة العميقة، مستشهدًا بحوادث وقعت بعد مواقف تصالحية أو اعتذارية صدرت عن الرئاسة، أعقبتها مباشرة تحركات تصعيدية إيرانية في الإقليم، بما يؤكد أن مؤسسة الرئاسة ليست صاحبة القرار النهائي في الملفات الاستراتيجية.
وتوقف العتوم عند ما وصفه بأزمة تعدد مراكز القرار داخل النظام الإيراني، متسائلًا عمّن يقود إيران فعليًا في هذه المرحلة، لا سيما في ضوء تراجع الدور التوازني للمرشد، وصعود نفوذ الحرس الثوري، وتنامي الحديث عن أدوار شخصيات أخرى داخل بنية النظام، مشيرًا إلى أن هذا التعدد في الرؤوس ومراكز النفوذ يفاقم ضبابية القرار الإيراني، ويجعل أي اتفاق عرضة للاهتزاز أو التنصل أو إعادة التفسير لاحقًا.
وخلص العتوم إلى أن المنطقة ستكون أمام مرحلة شديدة الحساسية إذا جرى تمرير اتفاق ملتبس لا يحسم الملفات الكبرى، لأن النتيجة لن تكون سلامًا أو استقرارًا، وإنما ترسيخًا لنموذج خطير قوامه أن الابتزاز الجيوسياسي، وتهديد الملاحة، وتوظيف الأذرع المسلحة، يمكن أن يتحول إلى طريق مختصر نحو المكاسب السياسية.







