المنسي يكتب: في ذكرى الاستقلال
جهاد المنسي
في كل عام، نقف أمام ذكرى الاستقلال، وهي مناسبة وطنية ليست عابرة في الوجدان الأردني، وانما هي محطة متجددة للتأمل في معنى الدولة، وقيمة الإنجاز، وحجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع من أجل حماية الوطن وبناء مستقبله، فالاستقلال ليس لحظة تاريخية تحرر فيها الأردن من الانتداب، بل كان بداية مشروع وطني كبير يقوم على بناء الإنسان والمؤسسات وترسيخ سيادة القانون وصناعة نموذج أردني متماسك وقادر على مواجهة التحديات.
خلال 80 عام أثبت الأردن، رغم قلة الموارد وكثرة الأزمات المحيطة، أنه دولة قادرة على الصمود والاستمرار بفضل حكمة قيادته ووعي شعبه وصلابة مؤسساته، ومنذ تأسيس الدولة وحتى اليوم، بقي المشروع الأردني قائماً على فكرة الدولة المدنية الحديثة التي تحتكم إلى القانون، وتحترم التعددية، وتؤمن بأن قوة الوطن تكمن في وحدته الداخلية لا في انقساماته الصغيرة أو الولاءات الضيقة.
ومن هنا جاءت الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبد الله الثاني لتشكل خارطة طريق وطنية نحو التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، ولتؤكد أن مستقبل الأردن لا يُبنى إلا بالمواطنة الفاعلة، والديمقراطية الحقيقية، وسيادة القانون، والمشاركة السياسية الواعية، فقد حملت هذه الأوراق رؤية عميقة لدولة المؤسسات التي لا يُقدَّم فيها أحد على القانون، ولا تُدار فيها الدولة بمنطق المصالح الضيقة أو النفوذ الشخصي، بل بمنطق الكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الفقر أو قلة الإمكانات، بل عودة الهويات الفرعية بأشكالها المختلفة؛ العشائرية حين تتحول إلى أداة إقصاء، أو الجهوية حين تصبح بديلاً عن الهوية الوطنية، أو المصالح الفئوية التي تضع مكاسبها فوق مصلحة الوطن، فالأردن الذي نريده لأبنائنا هو وطن تذوب فيه كل الرتوش والانقسامات الصغيرة، ويبقى فيه اسم الأردن وحده السيد والحكم والهوية الجامعة للجميع.
الامر المؤكد انه لا يمكن بناء دولة حديثة بينما ينشغل البعض بإحياء الاصطفافات الضيقة أو محاولة شد المجتمع إلى الخلف، فهناك دائماً قوى شد عكسي لا تريد للأردن أن يتقدم، لأنها اعتادت الاستفادة من بقاء الأمور كما هي، وتخشى الإصلاح الحقيقي الذي يفتح المجال أمام الكفاءة والمساءلة والعدالة، هذه القوى تدافع عن مصالحها لا عن الوطن، وتقاوم أي مشروع تحديثي لأنها ترى في التطور تهديداً لنفوذها التقليد.






