اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ملكاوي يكتب: "سينتهي الأمر قريبا"!

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


يعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب من جديد ليعلن أن «الأمر بشأن إيران سينتهي قريبا»، في تصريح جديد يضاف إلى كومة هائلة من التصريحات والبيانات والتهديدات التي أطلقها منذ أن أشعل، بتحريض من نتنياهو، حربا لم يعلم ماذا يريد منها بالتحديد، ولا أمتلك خريطة لمسارها.
 

منذ اللحظة الأولى التي اندفعت فيها الولايات المتحدة نحو التصعيد مع إيران، بدا أن ترامب يتحدث بوصفه رجل استعراض دائما، يعيش على الإثارة اللحظية، ويؤمن أن السياسة الخارجية يمكن أن تدار بالعقلية نفسها التي تدار بها الحملات الانتخابية والبرامج التلفزيونية ومعارك وسائل التواصل الاجتماعي، وعبارته الأخيرة تبدو امتدادا لخطاب مرتبك ومتقلب وغير منطقي.
التناقض مشكلة كبيرة، لكن الأخطر هو تحوله إلى نموذج سياسي يتعامل مع أخطر ملفات العالم بلغة مرتجلة وفاقدة للاتزان الدبلوماسي، وخالية من أي اتساق مفاهيمي أو أخلاقي.
في غضون أسابيع قليلة، يمكن للرجل أن يتحدث عن «تدمير إيران بالكامل»، ثم يعود للحديث عن «رغبته في السلام»، ثم يلمح إلى «اتفاق تاريخي»، ثم يهدد باغتيال قادة، ثم يقول إن الحرب ليست هدفه. هذا النمط من الخطاب لا يكشف عن «مرونة سياسية» كما يحاول بعض أنصاره تصويره، وإنما هي أزمة عميقة في فهم معنى الدولة، وحدود القوة، ومسؤولية الكلمة حين تصدر عن رئيس يمتلك ترسانة قادرة على إشعال العالم.
الهيبة الأميركية التقليدية، ولعقود طويلة، قامت على فكرة الانضباط المؤسسي، وعلى وجود مسافة واضحة بين الانفعال الشخصي والقرار السياسي. حتى أكثر الرؤساء الأميركيين اندفاعا كانوا يدركون أن اللغة جزء من القوة، وأن الدبلوماسية نظام إشارات دقيق، تحسب فيه المفردة بميزان الحرب والسلم. أما مع ترامب، فقد جرى تحطيم هذا الإرث بالكامل. ما من أحد بات قادرا على التوقع، فقد أصبح العالم أمام قوة عظمى تتصرف بطريقة أقرب إلى ردود الفعل الشخصية منها إلى الحسابات الإستراتيجية، ما جعل كثيرا من الحلفاء التقليديين لواشنطن يشعرون بالقلق، لأنهم لم يعودوا يعرفون إن كانت الولايات المتحدة تتحرك وفق مؤسساتها، أم وفق الحالة النفسية لرجل واحد.
خطاب ترامب نفسه أسهم في تحويل السياسة الدولية إلى ما يشبه حلبة صراخ مفتوحة، لم تعد هناك لغة دقيقة، أو احترام لشكل الخطاب السياسي التقليدي، وسادت مفردات التحقير والسخرية والشماتة والتهديد الشخصي.
هذا الانحدار اللغوي أدى إلى تآكل صورة الولايات المتحدة بوصفها دولة مؤسسات، وتحولها تدريجيا، في نظر كثيرين، إلى قوة تتحدث بعصبية إمبراطورية فاقدة للاتزان.
الخطاب يبدو قائما على تضخيم التوتر باعتباره مادة سياسية وإعلامية، فترامب يحتاج دائما إلى عدو ومعركة ولغة حادة، فهي البيئة الوحيدة التي تسمح له بالبقاء في مركز المشهد، وتصريحاته حول إيران يمكن قراءتها باعتبارها جزءا من اقتصاد إعلامي يقوم على الإثارة الدائمة، وعلى إنتاج الصدمة كوسيلة للسيطرة على دورة الأخبار. ترامب الذي يحاول دائما الظهور كـ «صانع صفقات»، يستخدم لغة لا تترك مساحة حقيقية للتفاوض، فهو يريد من خصومه أن يستسلموا أولا، ثم يجلسوا إلى الطاولة لاحقا. وهذه ليست دبلوماسية، وإنما عقلية إذعان. لذلك لم يكن مستغربا أن تفشل كثير من رهاناته الخارجية، لأن العلاقات الدولية لا تدار بمنطق المقاول العقاري، ولا بمنطق رجل الأعمال الذي يظن أن كل شيء يمكن إخضاعه للابتزاز والضغط النفسي.
الرجل يبدو أنه لا يدرك أن فائض الاستعراض يستهلك القوة نفسها، فالقوة التي تستخدم طوال الوقت في التهديد تفقد جزءا من أثرها، وتتحول إلى ضجيج اعتيادي. كثير من تصريحاته صارت تستقبل بعيدا عن الجدية، وكجزء من الأداء الترامبي المعتاد القائم على تضخيم الذات، وتحويل السياسة إلى عرض دائم.
الدولة التي تفقد هيبتها الخطابية، وتتحول لغتها الرسمية إلى لغة مهاترات، تفقد تدريجيا قدرتها على بناء التحالفات وإدارة التوازنات، وفرض صورتها على العالم. الهيبة تكمن في القدرة على الانضباط والرصانة، وفي جعل الآخرين يثقون بأنك تتصرف بعقل بارد حتى في أكثر اللحظات سخونة.
صورة الولايات المتحدة في ظل هذا الخطاب تبدو بعيدة عن هذا الانضباط، فهي متوترة وعصبية ومتقلبة، ومهووسة بالاستعراض الإعلامي، ما يكشف حجم الأزمة التي يعيشها الخطاب السياسي الأميركي نفسه، والذي لم يعد يعرف الفرق بين القوة والضجيج.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية