اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: "إسرائيل".. والباقي سدى..!

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


في العام 2007، نشر عالما السياسة الأميركيان ستيفن وولت وجون ميرشايمر كتابًا بعنوان “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية” The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy. وفي الكتاب، ناقش الكاتبان تأثير اللوبي المؤيد للكيان في صنع القرار الأميركي، وكيف دفع نفوذ اللوبي واشنطن إلى تبنّي سياسات لا تنسجم بالضرورة مع مصالحها الإستراتيجية الأوسع في الشرق الأوسط. وأحدّث الكتاب صدمة في الأوساط السياسية والفكرية الأميركية، واعتبره كثيرون كسرًا لمحظور سياسي وفكري لا يُمس في الولايات المتحدة.
 

الآن، بعد مرور 19 عامًا على صدور الكتاب، خرجت علاقة أميركا بالكيان الصهيوني وتأثيراتها على الولايات المتحدة تمامًا من منطقة المحظورات، وأصبحت في مركز التداول وموضوعًا دائمًا لإعادة التقييم والنقد. ولم تصل التداعيات إلى حد فصم العلاقة- أو حتى تخفيفها- بعد، لكنّ النقاش فُتح، ومعه الاحتمالات. ولا يمكن تجاهل الدفعة التي منحتها الإبادة الجماعية التي يرتكبها الكيان في غزة لهذا النقاش، ودخول العناصر الأخلاقية والمبدئية والإنسانية على أسس تقييم هذه العلاقة.
ولا يمكن أيضًا فهم الشرق الأوسط ومساراته وأحداثه في معزل عن هذه العلاقة المركزية، بما في ذلك الحرب الأخيرة على إيران. ومن هذا المنظور يكتُب كثير من المحللين الغربيين، في تأكيد على ما يحاول أن يفعله محللون في المنطقة ممن يسندون أهمية ثانوية إلى هذه العلاقة، ويركزون على تفاعلات إيران مع المحيط في معزل عن الدور المركزي لأميركا والكيان في التحكم مع كل تفاعلات المنطقة في التحصيل الأخير.
من بين القراءات الغربية للحدَث الإيراني الراهن، ثمة مقال للكاتب والمحلل الأميركي باتريك لورنس، نُشر على موقع “ذا فلوتيست” في 18 أيار (مايو) بعنوان “بالنسبة لترامب، إسرائيل فوق الجميع”. ويرى الكاتب أن ترامب حسم تردده أخيراً وقرر الانحياز الكامل إلى مشروع بنيامين نتنياهو القائم على مواصلة الحرب ضد إيران، حتى لو أدى ذلك إلى اضطراب اقتصادي عالمي هائل. وبحسب الكاتب، وجد الرئيس الأميركي نفسه أمام خيارين كلاهما مكلف: إما التوصل إلى تسوية مع طهران، وهو ما كان سيعرّضه لهجوم عنيف من اللوبيات المؤيدة للكيان داخل الولايات المتحدة، أو الاستمرار في الحرب بما يجلبه ذلك من أخطار اقتصادية وسياسية قد تدفع العالم نحو ركود -أو حتى كساد عالمي. ويرى الكاتب أن ترامب اختار في النهاية الطريق الثاني.
يعتبر لورنس أن ترامب حاول طوال الأسابيع الماضية تأجيل اتخاذ القرار الحاسم عن طريق فتح مسار تفاوضي مع إيران لم يكن، في رأيه، جدياً أو قابلاً للنجاح، بالتوازي مع عمليات عسكرية أميركية محدودة في الخليج ومضيق هرمز. لكن هذا التوازن المؤقت انهار، بحسب الكاتب، عندما نجح نتنياهو في دفع ترامب إلى تبني موقف الكيان بالكامل، ما يعني أن الولايات المتحدة أصبحت ملتزمة فعلياً باستمرار الحرب حتى تحقيق الأهداف المعلنة للكيان، وفي مقدمتها تفكيك البرنامج النووي الإيراني وإضعاف القدرات الصاروخية وشبكات النفوذ الإقليمي لطهران.
يستند لورنس إلى سلسلة تصريحات متقاربة زمنياً صدرت عن ترامب ونتنياهو كدليل على هذا التحول. في بداية الشهر الحالي، أعلن ترامب انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران، على أساس قانون صلاحيات الحرب الأميركي الذي يفرض العودة إلى الكونغرس إذا تجاوزت العمليات ستين يوماً. لكن نتنياهو عاد بعد أيام ليؤكد في مقابلة تلفزيونية أن الحرب “لم تنتهِ”، وأن هناك مزيداً من المواقع النووية والصواريخ والبنى المرتبطة بإيران التي يجب تدميرها. بل إنه ألمح إلى احتمال الحاجة إلى إقحام قوات برية. وبعد ذلك مباشرة تقريباً، رفض ترامب المقترحات الإيرانية للتسوية، وكرر، بلغة تكاد تكون مطابقة لكلام نتنياهو، أن المهمة لم تُنجز بعد وأن “هناك عملا ينبغي القيام به”. وبحسب الكاتب، يُظهر هذا التطابق اللفظي والسياسي أن ترامب لم يعد يقود السياسة الأميركية بقدر ما أصبح يتبع الرؤية الإسرائيلية بالكامل.
يلاحظ لورنس أن الكيان غير مكترث مطلقًا بالتداعيات الاقتصادية العالمية للحرب. ربما يتسبب الصراع مع إيران، خصوصًا إذا توسع إلى مواجهة مفتوحة في الخليج أو أدى إلى اضطراب إمدادات الطاقة، بانهيارات في الأسواق المالية، وارتفاع حاد في التضخم، وأزمات غذاء واضطرابات اجتماعية واسعة. ويعقد الكاتب مقارنات مع الأزمة العالمية للعام 1929 ليشير إلى أن العالم قد يواجه صدمة اقتصادية تاريخية إذا استؤنفت العمليات العسكرية في الخليج على نطاق واسع. وبطبيعة الحال، ندرك نحن في الشرق الأوسط أن الكيان لا يهتم– بل إنه سيكون سعيدًا بأي أضرار ودمار يلحقان بالدول العربية جراء هكذا تصعيد.
يحلل لورنس أيضًا ما يعتبره تبعية ترامب للنفوذ الصهيوني داخل الولايات المتحدة. ويرى أن الرئيس الأميركي يخشى الدخول في مواجهة مع اللوبيات المؤيدة للكيان أو مع كبار الممولين اليهود الذين دعموا صعوده السياسي. ويلمح إلى احتمال امتلاك الكيان مواد حساسة تتعلق بملف جيفري إبستين يمكن استخدامها للضغط على ترامب. وبذلك، يفسر سلوك ترامب باعتباره نتيجة مزيج من الضغوط السياسية والمالية والشخصية، أكثر منه تعبيراً عن حسابات إستراتيجية أميركية مستقلة تراعي المصالح الوطنية.
يتفق تحليل لورنس مع اتجاه متصاعد في الغرب يعبّر عن تزايد القلق من أن تتحول سياسات التصعيد في الشرق الأوسط إلى عامل يعيد تشكيل النظام الدولي والاقتصاد العالمي، ويدفع الولايات المتحدة إلى ربط مكانتها ومصالحها بمشروع الكيان الصهيوني التوسعي والساعي إلى الهيمنة في الإقليم. ويشير لورنس إلى مفهوم “إسرائيل الكبرى” بوصفه إطاراً سياسياً وإستراتيجياً يسعى إلى إعادة ترتيب موازين القوى في غرب آسيا بما يضمن تفوقاً مطوّلًا للكيان- حتى لو كان الثمن مزيداً من الاضطراب الدولي وتراجع النفوذ الأميركي نفسه.
إذا كان ثمة منطق في هذا المنظور الذي يتبناه معلقون وازنون في الغرب– ومنطقه لا يكاد يُنازع- فإن العرب مدعوون إلى إجراء مراجعة أعمق لطبيعة الصراع الدائر، وعلاقتهم بالولايات المتحدة ومشروعها المتماهي مع مشروع الكيان، والتوقف عن اختزال الصراع في مجر سجالات عسكرية منفصلة أو أزمات ظرفية. إن المسألة تتصل بمستقبل الإقليم ومواطنيه، وبشكل النظام السياسي والأمني الذي يُراد فرضه عليه، وبقدرة الدول العربية على حماية استقلال قرارها ومصالحها الإستراتيجية في مواجهة مشروع يريد إخضاعها لهيمنة تسلطيّة إقليمية مُطبّعة لا ينجو منها أحد.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية