اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدرعاوي يكتب: تحرك عاجل باتجاه "الموازنة"

{title}
أخبار الأردن -

 

سلامة الدرعاوي


ما زالت تداعيات الحرب الإقليمية تلقي بظلالها القاتمة على اقتصاديات العالم والمنطقة، والاقتصاد الأردني هو الآخر يعاني من ضغوط متزايدة على عدد كبير من القطاعات الإنتاجية والمالية، وهو أمر طبيعي في ظل ما يحدث في الإقليم، لأن آثارها أكبر من قدرة الحكومات على السيطرة على تداعياتها.
 

فأسعار النفط ما زالت تحوم فوق مستويات مرتفعة، تقارب (100) دولار للبرميل، وهو أعلى بكثير مما قُدِّر في فرضيات موازنة عام 2026، ما يعني أن هناك فروقات دعم جديدة ستتولد جراء ارتفاع أسعار المحروقات، ورغم أن الحكومة حاولت قدر الإمكان امتصاص جزء من زيادة الأسعار محلياً باستخدام مخزونها الإستراتيجي، إلا أن هذه القدرة لن تستمر طويلاً، فالأسعار العالمية في ارتفاع مستمر ما دامت حالة عدم اليقين تسيطر على المشهد الإقليمي، وعدم التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الحرب في المنطقة.
طبعاً، هناك قطاعات بدأت تتراجع في عملياتها الإنتاجية، وستنعكس آثار ذلك عليها في القريب العاجل، مثل قطاع التصدير الذي تشهد كلفه ارتفاعات كبيرة في رسوم الملاحة والتأمين والشحن وغيرها، ما ضاعف الأعباء بشكل كبير، ناهيك عن اضطراب التزود والإمداد وغيرها.
محلياً، كما قلنا سابقاً، فإن قدرة الحكومة على السيطرة على أسعار المحروقات والغاز عالمياً معدومة في المرحلة المقبلة، وليس أمام الحكومة سوى خيارين، هما:
الأول، العودة إلى سياسات دعم المحروقات لتجنب ارتفاعها على المواطنين والقطاعات الإنتاجية، وآثار هذا السيناريو كارثية على المستوى المالي للموازنة، حيث سيرتفع حجم العجز المالي، الذي من المرجح أن يزيد بمعدل 120 مليون دينار شهرياً حتى نهاية هذا العام إذا استمر المشهد الإقليمي على ما هو عليه دون تغيير، حينها سيتأثر هيكل البرنامج المالي مع صندوق النقد الدولي، وقد تتراجع التصنيفات الائتمانية للمملكة، وستواجه ضغوطاً كبيرة في الحصول على تمويل خارجي لتغطية احتياجاتها التمويلية المختلفة. لكن في المقابل، اجتماعياً، لن يشعر المواطن بالزيادة، وسيستمر في الاستهلاك دون قلق.
الثاني، عكس أسعار النفط عالمياً على الأسواق المحلية، والبدء ببيعها دون خسائر وضمن كلفها المعروفة، حينها سيواجه المواطن زيادة في أسعار المحروقات، لكن يبقى خيار التحرك في سلته الاستهلاكية بيده إلى حد ما، من خلال ترشيد الإنفاق خلال هذه الفترة، والشعور بالحاجة إلى سلوك استهلاكي أكثر انضباطاً لمواجهة هذه الموجة من الارتفاعات، لكن في المقابل اقتصادياً، تنجو الموازنة من مأزق الدخول في الدعم، وبالتالي عدم تنامي العجز، ومن ثم السيطرة على نمو المديونية. حينها يبقى الأردن مع الصندوق ضمن برنامجه التصحيحي المنضبط، ويحتفظ بتصنيفه الائتماني المستقر، مع الحفاظ على المساحة التمويلية التي يمتلكها بأسعار فائدة معتدلة مقارنة بما هو عليه في الأسواق.
أمام هذه الخيارات الصعبة أمام راسم السياسات الاقتصادية، فإن الحكومة مطالبة باسترجاع ذاكرتها في التعامل مع مثل هذه المواقف، والخروج بالعبر والنتائج السليمة للحصول على أفضل موقف يوازن بين الحلول الآنية الشعبوية، وحلول الاستقرار المالي ومواصلة الإصلاح.
الكل يتذكر حكومة البخيت الأولى عندما أصر الرئيس في ذلك الوقت على عدم رفع أسعار المحروقات تجنباً لاحتجاجات الشارع ومطالبات النواب، حينها استقال نائب الرئيس وزير المالية الدكتور زياد فريز احتجاجاً على قرار الحكومة بعدم الرفع، وبعدها بدأ مسلسل التراجع المالي الخطير في الموازنة، والذي تمثل في عجز مالي مضاعف، وتراجع في النمو، وزيادة غير مسبوقة في الدين، ما زال الاقتصاد الوطني يدفع ثمنه حتى يومنا هذا.
في مثل هذه الأوضاع المقلقة إقليمياً، لا تنفع السياسات الشعبوية إلا إذا كان المسؤول لا يفكر إلا في مصلحته وصورته الشخصية لا أكثر، فالأمر بحاجة إلى مصارحة وانفتاح في الخطاب الاقتصادي، ليس من الحكومة فقط، وإنما أيضاً من النواب والجهات المعنية، للوصول إلى قرار يهدف أولاً وأخيراً إلى حماية الخزينة من الدخول في نفق مظلم ستدفع ثمنه الأجيال القادمة، لا سمح الله.
أخيراً، ومع اقتراب عمر الموازنة من نصفها، لا بد من التفكير جدياً ومبكراً في إعادة النظر في بند النفقات الرأسمالية، حتى تتمكن الخزينة من السيطرة على الالتزامات المالية الجديدة التي تطرأ عليها مع كل ساعة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية