خريسات يكتب: منحنى (S) لنمو الشركات والدول.. وبدونه التراجع
رامي خريسات
هو منحنى النمو الشهير (S)، الذي يرمز - عندما يُقلب- إلى مراحل عمر الشركة. يبدأ بالمرحلة التأسيسية البطيئة، والتي ترتبط بارتفاع التكاليف، وطول فترة انتظار العائد على الاستثمار، والجهود المضنية لاقتناص حصة في السوق. تليها مرحلة النمو المتسارع، ثم مرحلة النضج والتشبّع، وصولاً إلى الاستقرار أو التراجع.
وهنا تكمن الخطورة: إذ يظن كثيرون أن المنحنى الأول أبدي، وهذا غير صحيح، حيث من المهم أن تبني الشركات الذكية المنحنى الثاني (S) وهي لا تزال تستفيد من الأول.
نجاحات عالمية تذكر أبل (Apple)، التي انتقلت من أجهزة الكمبيوتر إلى مشغّل iPod، ثم iPhone، ثم الخدمات السحابية، أمازون (Amazon) التي بدأت ببيع الكتب، ثم توسّعت إلى التجارة الإلكترونية وغيرها، نتفليكس (Netflix)، التي انتقلت من تأجير أقراص DVD إلى البث الرقمي، ثم إلى الإنتاج الذاتي. وفي المقابل، نجد كوداك (Kodak) ونوكيا (Nokia)، اللتين امتلكتا منحنى نمو قوي، لكنهما تأخرتا في بناء التالي، فتراجعتا ثم اندثرتا.
من الأمثلة الأردنية الناجحة في خلق منحنيات نمو جديدة وكالة إخبارية عريقة، انتقلت إلى منحنى جديد من خلال البث التلفزيوني والبودكاست، فاجتذبت المشاهدين بلقاءات مميزة وحصرية تقدم محتوى أكثر عمقاً وتخصصاً، عبر لقاءات حصرية ومميزة، يقال فيها ما لم يقل في أي وسيلة إعلامية أخرى. وهكذا تبقى في القمة.
وهناك شركة ناجحة في بيع القهوة فقط، قفزت إلى منحنى S جديد بأن أنشأت مباني فخمة تضم جلسات عصرية، ضمن ديكورات لافتة وهوية حديثة، وقدمت أنواعاً متخصصة من القهوة (Specialty Coffee) استقطبت شريحة الشباب، وفي الوقت ذاته أعادت تقديم نفسها للجيل الأكبر بطريقة مختلفة، ما وسع قاعدة عملائها وجعلها علامة تجمع بين الذائقة التقليدية والاتجاهات الحديثة.
تاريخيًا، كان متوسط عمر الشركات المدرجة في مؤشر S&P 500 يبلغ 60 عامًا، بينما انخفض اليوم إلى أقل من 20 عامًا، بل في بعض القطاعات التقنية لم يعد يتجاوز 3 سنوات. الراديو احتاج 38 سنة للوصول إلى 50 مليون مستخدم، في حين وصل ChatGPT إلى مليون مستخدم خلال 5 أيام فقط. وحتى أوبر (Uber)، المستمتعة بمنحنى نموها الحالي باتت مهددة بمنحنى السيارات ذاتية القيادة الذي يلغي الحاجة إلى السائق البشري.
التوقيت هو العامل الحاسم. فالتأخر في بناء منحنى S الجديد حتى يبدأ القديم بالانهيار خطأ جسيم، كما أن التخلي المبكر عن المنحنى الحالي قبل أن يولد تدفقات مالية مستقرة وخبرة تراكمية لا يقل خطورة، النجاح الحقيقي يكمن في بناء الجديد بينما لا يزال القديم يمولك ويمنحك الاستقرار، لا بعد أن تفقده. ولا ننسى أن الإفراط في الانتظار يتيح الفرصة لمنافس أكثر مرونة.
إن بناء منحنى S جديد لا يعني القفز العشوائي، بل يتطلب توازناً ذكياً بأن تستثمر مثلاً 80 % من جهدك في تعظيم ما عندك، و20 % في البحث واستكشاف الفرص. أي أنك بحاجة إلى يدين تعملان معًا: الأولى تعصر المنحنى الحالي، والثانية تنشغل ببناء القادم. وهذا المبدأ ينطبق أيضًا على الدول؛ فالاقتصادات أحادية المصدر قليلة التنويع تدخل في أزمة عند أول صدمة.
على سبيل المثال البسيط، أردنياً مطورو الإسكانات المتميزون الطموحون ينتقلون من مجال مزدحم وهو البيع التقليدي الذي يعج بالمنافسة وحرب الأسعار، إلى رحاب إدارة الأملاك والمجمعات السكنية وتطوير المباني التراثية، لتصبح مطاعم ومقاهي سياحية، وخدمات الصيانة والأمن، محولين العلاقة مع العميل من مجرد صفقة بيع عابرة إلى شراكة ممتدة وعوائد متكررة.
حتى العلامات التجارية الشهيرة تراجعها لا يأتي من الخارج فقط بل من الداخل أيضاً: البيروقراطية، فقدان عقلية المؤسس القائد الثاقبة، تجاهل حاجة السوق، ضعف المواهب المستثمرة، والاعتماد على نجاح قديم. هذا كله يستدعي مراجعة إستراتيجية دورية.
على مستوى الدول ومنها الأردن المنحنيات الجديدة ضرورة، حيث الاقتصادات التي تعيش على مصدر واحد، أو حتى مصادر تقليدية لا ابتكار فيها كالحوالات أو السياحة التقليدية أو الصناعة المعتمدة على الموارد الوطنية أو محدودة القيمة المضافة، تدخل في أزمة عند أول صدمة.







