كراجة يكتب: في ذكرى النكبة.. "خدعة حقوق الإنسان"

{title}
أخبار الأردن -

 

سائد كراجة


النكبة لم تقع عام 1948 فقط، بل بدأت قبل ذلك بقرون، حين صاغ التنوير الأوروبي مفهوم “الإنسان” على مقاسه: أبيض، ذكر، أوروبي، وجعل من تبقى إنسانًا ناقصًا. لم تكن هذه مجرد انحرافات سياسية، بل تأسست داخل الفلسفة ذاتها. كانط، صاحب التنظير للكرامة الإنسانية، وضع العرق الأبيض على القمة، وحكم على السود بانعدام قابلية التمدّن. وهيغل أخرج أفريقيا من التاريخ، بوصفها “أرضًا لا تاريخية”. أما جون ستيوارت ميل، أحد آباء الليبرالية، فكتب أن الاستبداد “أسلوب حكم مشروع في التعامل مع البرابرة”، شريطة أن تكون الغاية “تحسينهم”. وهكذا استخدم “التنوير” كذريعة أخلاقية للاستعمار.
 

الصهيونية نتاج هذا السياق، فقد وصف هرتزل مشروعه بأنه “موقع متقدم للحضارة في مواجهة البربرية”. وآرثر بلفور، الذي منح وعده الشهير عام 1917، كان قد سنّ قبلها قانون الأجانب لمنع يهود أوروبا الفارين من المذابح من دخول بريطانيا. الفكرة كانت بسيطة: تصدير “المسألة اليهودية” إلى فلسطين، أرضٌ يعرفون أن فيها شعبًا، لكنه شعبٌ خارج الحساب الأخلاقي والسياسي للقوى الكبرى.
ومع صدور “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” عام 1948، استمرت الإمبراطوريات بعقلها الاستعماري نفسه. فرنسا قمعت انتفاضة الاستقلال في مدغشقر بعشرات آلاف القتلى، وبريطانيا فرضت الطوارئ في الملايو، وهولندا أعادت احتلال إندونيسيا بعد أيام من الإعلان، فيما تأسس نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.
حتى صياغة الحقوق نفسها كانت معركة؛ ففرنسا وبريطانيا رفضتا أي نص واضح حول حق تقرير المصير خشية امتداده إلى مستعمراتهما، فلم يدخل هذا الحق المواثيق الدولية إلا عام 1960. وكما قال اللبناني شارل مالك، الذي شارك في صياغة الإعلان: “القوى الكبرى قبلت بالمبادئ ورفضت أي آلية تجعل تطبيقها ملزمًا”.
عربيًا، دخلت الجيوش حرب 1948 بحسابات متناقضة، وما تزال آثار تلك الحسابات تحكم المواقف العربية بشكلٍ أو بآخر حتى اليوم.
غزة تكشف المشهد بأوضح صوره: عشرات آلاف القتلى، تدمير المستشفيات، قتل الصحفيين على الهواء، وتجويعٌ متعمد يُستخدم كسلاح. محكمة العدل الدولية تتحدث عن “إبادة مرجحة”، فيما يبقى النظام الدولي عاجزًا، أو متواطئًا. لهذا يبدو الحديث عن “فشل” النظام الدولي توصيفًا ناقصًا؛ فهذه الازدواجية ليست خللًا طارئًا، بل جزء من بنية تأسست تاريخيًا على تفاوت القوة والإنسانية معًا.
لكن إدراك هذه الحقيقة لا يعني التراجع عن حقوق الإنسان كقيمة، بل يعني فضح احتكار القوى الكبرى لتعريفها وتطبيقها. فالقضية ليست رفض الحقوق، بل إعادة تأسيسها على معنى كوني وحقيقي، يقوم على كرامة الإنسان دون تمييز في العرق أو الدين أو القوة الاقتصادية والعسكرية.
أما المشروع البديل، فلا يولد من الانتظار ولا من الخطابات الأخلاقية وحدها، بل من بناء قوة سياسية واقتصادية مستقلة. عربيًا، يبدأ ذلك من اصطفاف اقتصادي يتطور تدريجيًا نحو تكامل سياسي، على غرار جماعة الفحم والصلب الأوروبية عام 1951 التي مهدت للاتحاد الأوروبي. البداية تكون من الاقتصاد والمصالح المشتركة، لا من الشعارات أو كاريزما القادة. وعالميًا، يفرض التحول نحو التعددية القطبية نفسه؛ فصعود مجموعة بريكس، التي تمثل نحو 45 % من سكان العالم، يعكس تمردًا متزايدًا على احتكار القرار الدولي.
إن توسيع فهم الصراع العربي الصهيوني من قضية استعادة أرضٍ إلى قضية تحرر من البنية الكولونيالية العالمية، ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية وفلسفية. نعم، يبدو هذا الطرح اليوم أقرب إلى الحلم، في ظل اختلال موازين القوة، لكن هكذا بدأت مشاريع الأمم الكبرى للانعتاق: فكرة تبدو مستحيلة، ثم تتحول مع الزمن إلى واقع، جنابك.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية