ملكاوي يكتب: ما الذي فعله خالد جاسم؟

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


تابعت الفيديوهات التي بثها الإعلامي القطري خالد جاسم من الأردن، في زيارة لم تكن رحلة سياحية عابرة، ولا جولة بروتوكولية تلتقط فيها الصور أمام المواقع الشهيرة ثم تطوى. ما فعله الرجل بدا أقرب إلى تجربة إنسانية كاملة، استكشف فيها شغفا بالمكان وفضولا تجاه الناس، ومحاولة حقيقية لفهم التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر عادة في الكتيبات السياحية الرسمية.
 

زيارته حظيت باهتمام واسع من قِبل الأردنيين، لأنهم شعروا أن بلدهم يُقدم هذه المرة بعين المُحبّ، لا بعين المروّج التقليدي، فقد تنقل جاسم بين المدن والأماكن الشعبية والتراثية والطبيعية، ولم يكتفِ بالحديث عن المواقع المعروفة عالميا، لكنّه اقترب من الحياة اليومية الأردنية نفسِها، بكل ما فيها من تنوع واختلاف وملامح اجتماعية تجعل الأردن بلدا له شخصية خاصة لا تشبه أحدا.
كثير من حملات الترويج السياحية تفتقد هذه الروح. الترويج للسياحة اليوم تعدى تصوير الفنادق الفخمة أو المواقع الأثرية من الجو، فالسائح الحديث يبحث عن “التجربة” أكثر من بحثه عن الصورة. الإعلانات الجامدة لا يمكن لها صنع أيّ تأثير، فقد دخل مفهوم السرد الإنساني إلى تقنيات التسويق الحديثة، وبات الناس يسافرون لأنهم شاهدوا شخصا يحب مكانا ما، أو عاش فيه تجربة صادقة، أو شعر أن ذلك المكان يمتلك روحا. لهذا أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمؤثرون وصناع المحتوى، والإعلاميون القادرون على خلق علاقة وجدانية مع الجمهور، أدوات أكثر تأثيرا من الحملات الإعلانية التقليدية المكلفة.
لماذا، إذن، لا تستفيد هيئة تنشيط السياحة الأردنية ووزارة السياحة والآثار الأردنية من هذا النموذج بصورة أكثر احترافية واستدامة؟
الأردن يمتلك مادة سياحية هائلة، لكنه غير قادر على إظهار قصته للعالم، وهي مشكلة جوهرية تمثل نقصا في “السردية السياحية” القادرة على تحويل المكان إلى حكاية حيّة. حين شاهد الأردنيون خالد جاسم وهو يتفاعل بعفوية مع المجتمع، ويتحدث بإعجاب صادق عن الناس والطعام والتراث والأماكن، شعروا أن بلدهم جميلٌ فعلا، وأنّ المشكلة تكمن في الطريقة التي يقدم بها. كثير من الأردنيين أنفسهم لا يعرفون حجم الغنى الموجود في مناطقهم، ولا يزورون إلا عددا محدودا من المواقع، لأن الخطاب السياحي المحلي ظل رسميا باردا، ويفتقر إلى الروح.
التجربة، كذلك، كشفت جانبا آخر مهما، وهو أن الترويج الحقيقي للأردن لا يجب أن يبقى حبيس العاصمة أو المواقع المعروفة، فهناك عشرات المناطق التي تمتلك قيمة سياحية وثقافية وإنسانية كبيرة، لكنها غائبة عن الضوء. القرى، والبلدات الصغيرة، والأسواق القديمة، والحرف اليدوية، والمواسم الزراعية، والموروث البدوي والفلاحي، كلها يمكن أن تتحول إلى عناصر جذب سياحي لو جرى تقديمها بطريقة حديثة ومهنية.
العالم يتجه بقوة نحو “السياحة الثقافية” و”السياحة التجريبية” القائمة على معايشة الناس وثقافاتهم المحلية. السائح يريد أن يأكل كما يأكل أهل البلد، وأن يسمع الموسيقا والغناء المحليّ، وأن يعيش تجربة مختلفة عن حياته اليومية. الأردن يمتلك قدرة كبيرة على تقديم هذا النوع من السياحة، لكنه يحتاج إلى سلوك نهج خارج القوالب التقليدية.
من المهم أيضا الانتباه إلى أن شخصيات إعلامية مثل خالد جاسم تمنح الأردن مصداقية عاطفية تتعدى القيمة الدعائية، هناك فرق كبير بين إعلان مدفوع، وبين شخص معروف يقول للناس إنه أحب هذا المكان فعلا، فالجمهور يتفاعل مع المشاعر أكثر من تفاعله مع الشعارات الرسمية.
الاستفادة من هذه النماذج تحتاج إلى عقلية مختلفة في إدارة الملف السياحي، فالمطلوب بناء إستراتيجية متكاملة لصناعة المحتوى السياحي، واختيار شخصيات تمتلك جمهورا وتأثيرا حقيقيا، ثم منحها مساحة لاكتشاف الأردن بطريقتها الخاصة، بعيدا عن البرامج البروتوكولية المُملة.
الأهم أن الأردن لا يحتاج إلى اختراع صورة جديدة لنفسه، بل إلى تقديم صورته الحقيقية فقط. وهذا ما فعله خالد جاسم ببساطة، فقدم الأردن كما هو، بكل ما فيه من دفء وإنسانية وغنى، وهذه أقوى رسالة سياحية يمكن أن تصل إلى أي جمهور.
زيارة خالد جاسم كانت درسا مهما في كيفية تقديم المكان والناس والتراث. أحيانا، يمكن لشخص يحب المكان بصدق أن يفعل ما لا تفعله عشرات الحملات الإعلانية المكلفة.
شكرا خالد جاسم.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية