الدعجة يكتب: خريطة الأردن والهوية أمام وزير التربية والتعليم

{title}
أخبار الأردن -

 

حسن الدعجة


تُعدّ خريطة الوطن أحد أهم الرموز المعرفية والسيادية التي تعكس مستوى الانتماء والوعي الجغرافي والهوية الوطنية لدى الطلبة، فمعرفة الطالب لشكل وطنه وحدوده ومحافظاته ليست مجرد معلومة دراسية عابرة، بل تمثل جزءًا أساسيًا من تكوينه الوطني والثقافي، وركيزة من ركائز الوعي الجمعي والسردية الأردنية التي تشكلت عبر التاريخ والتضحيات وبناء الدولة الحديثة، فالخريطة ليست خطوطًا جغرافية صامتة، بل هي تجسيد لذاكرة الوطن، ووحدة الأرض، ورمزية الدولة، ومعنى السيادة والانتماء، وتأتي هذه المقالة ضمن سلسلة مقالات سابقة تتناول واقع التعليم العالي وسبل تطويره وتحسين مخرجاته الوطنية والمعرفية.
 

ومن هنا جاءت تجربة تكليف الطلبة في مادة التربية الوطنية برسم خريطة الأردن وتلوينها وتحديد المحافظات كواجب بيتي، بهدف قياس مدى إدراكهم البصري والذهني لشكل الدولة الأردنية، ومدى ارتباطهم الجغرافي والوجداني بالوطن الذي يعيشون فيه، ومدى حضور صورة الأردن في ذاكرتهم الوطنية والمعرفية.
وقد أظهرت نتائج الواجب البيتي مؤشرات تبدو إيجابية نسبيًا؛ إذ التزم 43 طالبًا من أصل 97 طالبا بتقديم الواجب، وكانت نسبة من رسموا الخريطة بدرجة ممتاز 13.95 %، بينما بلغت نسبة من حصلوا على جيد جدًا 41.86 %، في حين بلغت نسبة الجيد 44.19 %. وتعكس هذه النتائج أن غالبية الطلبة استطاعوا- عند توفر الوقت والبحث والمراجعة المنزلية- تقديم مستوى مقبول في رسم الخريطة، ولو بدرجات متفاوتة. لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت عند إجراء الاختبار الفوري داخل القاعة الدراسية، حين طُلب من الطلبة إخراج ورقة وقلم ورسم خريطة الأردن مباشرة دون الرجوع لأي وسيلة مساعدة.
فقد شارك في هذا التطبيق 60 طالبًا من أصل 97، رغم التنبيه المسبق بضرورة إحضار الورقة والقلم، وكانت النتائج صادمة بكل المقاييس؛ إذ لم تتجاوز نسبة من استطاعوا رسم الخريطة بدرجة جيد جدًا 3.33 % فقط، بينما بلغت نسبة المقبول 21.67 %، أما النسبة الأكبر فكانت غير المقبول وبلغت 75 %، وهي رسومات لا تمت بصلة لخريطة الأردن، ولا تعكس حتى الشكل التقريبي للوطن.
هذا التناقض الكبير بين نتائج الواجب البيتي ونتائج الرسم الفوري داخل القاعة يطرح تساؤلات جوهرية حول واقع التعليم الجغرافي والوطني في المدارس والجامعات الأردنية. فهؤلاء الطلبة يدرسون مادة التربية الوطنية منذ الفصل الأول أو الثاني من بداية حياتهم الجامعية، وينتمون إلى تخصصات مختلفة، ما يعني أن الحد الأدنى من المعرفة بالشكل الجغرافي للوطن يجب أن يكون متحققًا لديهم بصورة تلقائية.
إن هذه النتائج لا يمكن تفسيرها فقط بضعف فردي لدى الطلبة، بل تشير إلى خلل أعمق في فلسفة التعليم وأساليب التلقين والتقييم. فالنظام التعليمي خلال السنوات الأخيرة اتجه بصورة متزايدة نحو التعليم الإلكتروني والاعتماد على الوسائط الرقمية، الأمر الذي أضعف مهارات الحفظ البصري والرسم اليدوي والذاكرة المكانية لدى الطلبة. فالطالب اليوم يستطيع الوصول إلى أي معلومة بضغطة زر، لكنه في المقابل فقد القدرة على استدعاء المعلومة من ذاكرته دون الاعتماد على الهاتف أو الحاسوب.
ولا شك أن التحول نحو التعليم الإلكتروني ليس السبب الوحيد، لكنه بالتأكيد أحد الأسباب المهمة. فالتعليم التقليدي كان يعتمد على الخرائط الورقية، والرسم اليدوي، والتكرار البصري داخل الصف، بينما أصبح التعليم الحديث يعتمد بصورة كبيرة على الصور الجاهزة والعروض الإلكترونية السريعة، دون أن يُطلب من الطالب إعادة إنتاج المعرفة بنفسه. وهنا تكمن المشكلة؛ إذ إن مشاهدة الخريطة تختلف جذريًا عن القدرة على رسمها واستحضارها ذهنيًا.
كما أن هذه الظاهرة تكشف ضعفًا واضحًا في تدريس مادة الجغرافيا في المدارس. فكثير من الطلبة يتعاملون مع الجغرافيا بوصفها مادة للحفظ المؤقت من أجل الامتحان فقط، لا باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية والثقافة العامة. والأخطر من ذلك أن بعض المدارس لم تعد تعطي أهمية كافية للتدريبات العملية، كالرسم والتلوين وتحديد المواقع الجغرافية، مكتفية بالشرح النظري أو الاختبارات الموضوعية السريعة.
ومن هنا يبرز سؤال مهم موجه إلى وزير التربية والتعليم، ومدراء المدارس، ومعلمي الجغرافيا: كيف يمكن لطالب في المرحلة المدرسية ثم الجامعية أن يعجز عن رسم خريطة وطنه؟ وكيف وصلنا إلى مرحلة تصبح فيها خريطة الأردن - وهي رمز الدولة والهوية -غير راسخة في ذاكرة ثلاثة أرباع الطلبة؟
إن معالجة هذه المشكلة تتطلب مراجعة شاملة لأساليب تدريس الجغرافيا والتربية الوطنية، وإعادة الاعتبار للتعلم البصري والعملي داخل الصفوف المدرسية. فالحلول لا تكمن في زيادة عدد الحصص فقط، بل في تغيير طريقة التعليم نفسها. ومن أهم الحلول الممكنة:
أولًا: إعادة إدخال الرسم اليدوي للخرائط كجزء أساسي من التقييم المدرسي، بحيث يتدرب الطلبة باستمرار على رسم خريطة الأردن ومحافظاتها.
ثانيًا: تعزيز الأنشطة الوطنية والجغرافية داخل المدارس، من خلال المسابقات والمعارض والوسائل التعليمية التفاعلية.
ثالثًا: التقليل من الاعتماد الكلي على التعليم الإلكتروني، وإعادة التوازن بين الوسائل الرقمية والمهارات اليدوية والذهنية.
رابعًا: تدريب معلمي الجغرافيا على أساليب حديثة تُركز على الفهم البصري والذاكرة المكانية بدل الحفظ التقليدي.
خامسًا: ربط الجغرافيا بالهوية والسردية الوطنية والانتماء، بحيث يشعر الطالب أن معرفته بخريطة وطنه ليست مجرد علامة دراسية، بل جزء من وعيه الوطني.
إن ضعف الطلبة في رسم خريطة الأردن ليس مجرد مشكلة تعليمية بسيطة، بل مؤشر ثقافي ومعرفي يستحق الوقوف عنده بجدية. فالوطن لا يُعرف فقط بالأناشيد والشعارات، بل أيضًا بالقدرة على معرفة شكله وحدوده ومدنه ومحافظاته. وحين يعجز الطالب عن رسم خريطة وطنه، فإن ذلك يستدعي مراجعة حقيقية لمنظومة التعليم بأكملها، لأن بناء الإنسان الواعي يبدأ أولًا من معرفته بوطنه.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية