"ما توقف ولا طفل عندي".. إفادة عاطف نجيب تعيد فتح ملف أطفال درعا
جملة قصيرة داخل قاعة المحكمة كانت كفيلة بإشعال جدل واسع، بعد أن أدلى بها عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، خلال استجوابه الثاني في ملف أحداث المسجد العمري، لتفتح من جديد واحدا من أكثر الملفات حساسية في بدايات الاحتجاجات السورية عام 2011.
وخلال الجلسة، نفى نجيب التهم الموجهة إليه، وعلى رأسها ما يتعلق باعتقال أطفال وتعذيبهم، واعتبر أن ما يُتداول بشأن ذلك "مجرد إشاعات لا أساس لها".
وردا على سؤال القاضي حول علمه باعتقال الأطفال على خلفية كتابة عبارة "إجاك الدور يا دكتور"، قال: "سيادة القاضي، ما لي أي علم، وأهلي درعا مضللون، يعني هذه إشاعة سرت لأمور أمنية ثانية، لأنهم ما بدهم يحملوها لرئيس الفرع".
كما نفى إصدار أي أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين أو التورط في الانتهاكات التي شهدتها درعا مع انطلاق الاحتجاجات.
موجة غضب وجدال سياسي
فجّرت أقوال عاطف نجيب موجة غضب وجدلا واسعا في الأوساط السورية، مع تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أعادت فتح ملف أحداث درعا مجددا وأثارت نقاشا حادا حول الروايات المتضاربة لبدايات الاحتجاجات.
واعتبر كثيرون أن ما ورد أمام المحكمة يمثل محاولة للتبرؤ من تهم وانتهاكات ارتبط اسمه بها لسنوات، خاصة في ظل الاتهامات المتعلقة بدوره خلال الأسابيع الأولى من الاحتجاجات وما رافقها من اعتقالات وتوترات أمنية.
في المقابل، رأى آخرون أن هذه التصريحات لا تنفصل عن سياق طويل من الجدل حول المسؤولية عن الانتهاكات التي شهدتها المحافظة في تلك المرحلة، معتبرين أنها تأتي في إطار إعادة صياغة للرواية الشخصية للأحداث ومحاولة نفي المسؤولية عن الوقائع التي وثّقتها شهادات عديدة.
في سياق الجدل، قال الناشط عمر الحوراني إن التركيز على حادثة اعتقال الأطفال وحدها "يختزل المشهد"، مؤكدا وجود "قرائن وشهادات كافية لإدانة المسؤولين عن تلك المرحلة"، وأن وجود نجيب في موقع المسؤولية خلال الأيام الأولى يحمّله مسؤولية سياسية وأمنية عما جرى لاحقا.
كما أشار ناشطون آخرون إلى أن ملف اعتقال الأطفال لا يمكن فصله عن تسلسل الأحداث في درعا بين 18 و23 مارس/آذار 2011، متسائلين عن الجهة التي تسلمت الموقوفين وعن هرمية القرار الأمني آنذاك، ومعتبرين أن ما جرى لم يكن أحداثا معزولة بل بداية تصعيد واسع.
واتهم آخرون نجيب بمحاولة التنصل من مسؤولية اقتحام المسجد العمري واستخدام القوة ضد المتظاهرين، في ظل روايات تشير إلى تورط قيادات أمنية أخرى في إدارة العمليات الميدانية.
وتحدثت روايات أخرى عن مسؤوليات أمنية متشابكة في تلك المرحلة، بينها اتهامات طالت قيادات في أجهزة أمنية مختلفة، وسط تضارب في تحديد الجهة التي أصدرت الأوامر المباشرة بإطلاق النار أو اقتحام مواقع الاحتجاج الأولى في درعا البلد.
وتساءل آخرون: "إذا كان المسؤولون ينكرون اليوم كل ما حدث، فمن يتحمل مسؤولية الدماء التي سالت في الأيام الأولى؟ ومن أصدر الأوامر الفعلية على الأرض؟".
روايات مضادة وتوضيحات وشهادات
في المقابل، استعاد نايف أبازيد، أحد الأطفال الذين اعتُقلوا آنذاك، تفاصيل مختلفة عبر صفحته على فيسبوك، مؤكدا أنه كان "أول طفل معتقل" على خلفية كتابة العبارة الشهيرة "إجاك الدور يا دكتور بشار الأسد".
وقال أبازيد إن اعتقاله لم يكن على يد عاطف نجيب، بل نفّذه ضابط من المخابرات العسكرية يدعى لؤي العلي، نافيا أن يكون نجيب على صلة مباشرة باعتقاله أو غيره من الأطفال.
وأضاف أن بعض الروايات المتداولة غير دقيقة، مشيرا إلى أن توقيفه ارتبط بحادثة حرق "كولبة شرطي"، وأن ما جرى لاحقا تداخلت فيه وقائع أمنية متعددة، بحسب روايته.
وفي سياق متصل، أكد تجمع عشيرة الصياصنة في بيان عبر فيسبوك أن المقطع الصوتي المتداول للشيخ أحمد الصياصنة جاء مجتزأ من شهادة أدلى بها أمام لجان التحقيق في دمشق، موضحا أن التسجيل لم يتضمن كامل الإفادة الأصلية.
وبحسب البيان، فإن الصياصنة شارك ضمن وفد وجهاء حوران للقاء عاطف نجيب بهدف الاستماع إلى شهادته والتحقق من مجريات الأحداث المرتبطة بتلك المرحلة، حيث أنكر الأخير وجود الأطفال لديه، مؤكدا أنهم لدى جهة أمنية أخرى، وداعيا إلى تهدئة الأوضاع ومنع التصعيد.
ويُعرف نجيب بتوليه ملاحقة المعارضين والناشطين في محافظة درعا، وكان له دور مباشر في التعامل مع حادثة اعتقال أطفال درعا، الذين تعرضوا للتعذيب بعد كتابتهم شعارات مناهضة لنظام الأسد على جدران مدرستهم.
وكانت قوات إدارة الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية السورية قد أوقفت نجيب في يناير/كانون الثاني 2025، خلال حملة أمنية لملاحقة فلول النظام السابق في محافظة اللاذقية.







