المومني تكتب: كبار السن.. من النهج الرعائي إلى النهج الحقوقي
د.نهلا عبدالقادر المومني
ما أزال أذكر ذلك اليوم عندما وجدت في خزانة خاصة بمتعلقات والدتي قصاصة من صحيفة تضم إحدى مقالاتي، تحتفظ بها في زاوية بعيدة محاطة بما يحميها. وكنت حينها في بداياتي الأولى في تجربة الكتابة. لم تقل لي يوماً إنها كانت تنتظر قصاصات الورق تلك لتضعها ضمن أشيائها الخاصة. وفي حينها أخرجت ما تحتفظ به لتذكرني أن كل كلمة ستصنع أثراً يوماً ما وإن كنت لا أراه.
أذكر كم فكرت مطولاً بهذا الموقف، وكم غيّر في داخلي أشياء كثيرة. أدركت حينها وجهاً آخر للحب، وجهاً يفعل ولا ينطق. أدركت أن من يحب يحتفظ بإنجازاتك كأنها صنيعته وعالمه. أدركت حينها أكثر كم هي نادرة تلك الطريقة في الحب، وكم هو كبير من يحتفظ بكلمات قيلت عنك أو صدرت منك، قد لا يكون مختصاً فيها ولا مدركاً تماماً لها؛ ليذكرك بها من حين لآخر عندما تهتز النفس أو يغالبها الشك بقيمة ما تفعل، فقط لأن إيماناً بك زُرع داخله.
أعلم يقيناً أن عدد المواقف التي كانت صنيعتها أكثر بكثير من ذلك، فهذا شأن والدتي، وشأن الكثيرين من آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا وغيرهم الذين صنعوا عوالمنا ومهدوا الطريق لأجيال قادمة بالعمل والتعب والمثابرة وبالحب أيضاً، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.ولكن يبقى السؤال: ماذا قدمنا لكل هؤلاء، ممن أضاءوا الطريق ووصلوا إلى مرحلة تسمى اليوم «كبار السن»؟
تساؤل حقوقي بعد مقدمة عاطفية، يتبعه بالضرورة تساؤل آخر.. هذه العواطف التي نحملها نحو كبارنا في السن، ألا يتوجب أن تنتقل لتأخذ شكلاً حقوقياً؟ كيف يجدر بنا اليوم أن نمنحهم الحب الذي سبق ومنحونا إياه على هيئة حقوق لا بصورة رعائية فقط؟ حقوق تساعدهم على إكمال مسيرتهم دون أن يشعروا أنهم عبء على الحياة أو على من حولهم.
التقدير والمودة والاحترام الذي يحمله مجتمعنا وأفراده لكبار السن من أجمل القيم الإنسانية وأثمنها على الإطلاق. ميزة تتفرد بها تحديداً مجتمعاتنا العربية في تقديم الولاء والعرفان لهذه الفئة، وبرها والقيام عليها عند حاجتها دون تذمر أو شكوى، بل بافتخار وامتنان.
هذه المشاعر يتوجب ألا تنسينا أن فئة كبار السن اليوم في مجتمعاتنا، بالرغم من كل التقدير لها، تفتقد لنظرة حقوقية تقوم على توفير خدمات خاصة بهم، تعينهم على البدء بمرحلة جديدة في حياتهم وتساندهم في تجاوز تبعاتها النفسية أيضاً، ابتداءً بأندية نهارية بأعداد كافية تشكل حاضنة لهم ومناخاً ملائماً للقيام بأنشطة متنوعة تتناسب واحتياجاتهم ومتطلباتهم العمرية.
بالإضافة إلى تطوير مهاراتهم أيضاً، خاصة فيما يتعلق بالتكنولوجيا الناشئة والاستخدام الآمن للفضاء الإلكتروني الذي كثيراً ما يكونون عرضة للاستغلال من خلاله. مروراً بإشراكهم في رسم السياسات العامة، خاصة تلك المتعلقة بهم، وتوظيف خبراتهم في الأعمال التطوعية وغيرها، وإدماجهم مع فئة الشباب لتحقيق هذا الانتقال بين الخبرات، وتقليص الفجوة بينهم وبين الأجيال الشابة؛ ما يخفف من شعورهم بالاغتراب أحياناً عن المجتمع.
انتهاءً بضمان تمتعهم بمستوى معيشي ملائم يحفظ كرامتهم الإنسانية، وتطوير الخدمات الطبية المقدمة لهم وتأهيل الكوادر، خاصة في مجال طب الشيخوخة، ومأسسة فكرة خدمات الرعاية الطبية المنزلية وتحسين جودة الخدمات المقدمة عموماً. والأهم إيلاء أهمية كبيرة للطب النفسي لهذه الفئة والتوسع فيها وجعلها أولوية، نظراً للتغيرات الكبيرة التي يعانون منها وعدم قدرتهم أو قدرة من حولهم على التعامل معها.
هل هذا يعني أن هذه الخدمات غير موجودة حالياً؟ الحقيقة أن بعضها موجود، ولكن ما تزال هناك تحديات تتعلق بمدى انتشارها والتوزيع الجغرافي العادل لها. وبعضها يعاني من عدم توفر الكوادر الكافية المؤهلة، والبعض الآخر قد يتطلب تكلفة وإنفاقاً قد يشكل حائلاً مؤقتاً دون التطبيق.
ما يهم حقاً، في ظل ما هو موجود وما يجب أن يكون، وضع فئة كبار السن ضمن الأولويات الوطنية، والاستفادة من خبراتهم والمعرفة التي قد ينقلونها، وتعزيز التقارب بينهم وبين الأجيال المختلفة. فهم بحق ثروة إنسانية يتوجب استثمار طاقاتها وقدراتها.وما يجب أن نتذكره دوماً أنه في الحب لا يكفي التأشير من بعيد، وإنما لا بد من الانتقال من حالة السكون إلى ترجمة مفاهيم التقدير والإجلال والمودة لفئة كبار السن إلى أفعال ومعطيات وخدمات قادرة على أن تحسن من جودة حياتهم العملية والنفسية، وأن يبقوا فاعلين في المجتمع لا منتظرين.







