الدعجة يكتب: الأردن وكوريا الجنوبية: شراكة إستراتيجية نحو المستقبل

{title}
أخبار الأردن -

 

حسن الدعجة


تُعد العلاقات بين المملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية كوريا الجنوبية من أنجح نماذج العلاقات الثنائية في آسيا والشرق الأوسط، حيث تطورت خلال العقود الماضية من علاقات دبلوماسية تقليدية إلى شراكة إستراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والتعليم، والطاقة، والتنمية البشرية، والتعاون الثقافي. وقد اكتسبت هذه العلاقات خصوصيتها بسبب طبيعتها القائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، إلى جانب حرص الجانبين على تحقيق المصالح المشتركة بعيدا عن الضغوط السياسية التقليدية التي تحكم علاقات الدول المانحة بالدول النامية.
 

ومنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية عام 1962، شهدت العلاقات الأردنية الكورية مسارا تصاعديا ومستقرا، عزته الإرادة السياسية لدى قيادتي البلدين، ممثلة بجلالة الملك عبدالله الثاني، والرؤساء الكوريين المتعاقبين، الذين أولوا اهتماما كبيرا بتطوير التعاون الثنائي. وقد تُوّج هذا المسار بإنشاء سفارة كورية مقيمة في عمّان عام 1975، ثم افتتاح السفارة الأردنية المقيمة في سيؤول عام 2010، في خطوة عكست عمق العلاقات السياسية والاقتصادية المتنامية بين البلدين.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت كوريا الجنوبية كواحدة من أهم الشركاء الآسيويين للأردن، ليس فقط من خلال الدعم التنموي، بل عبر الاستثمار في القطاعات الحيوية ونقل الخبرات التقنية والتكنولوجية. وقد أدرك الأردن مبكرا أهمية التجربة الكورية الجنوبية بوصفها نموذجا عالميا للتحول الاقتصادي السريع، حيث انتقلت كوريا من دولة فقيرة تعاني آثار الحرب إلى واحدة من أكبر الاقتصادات الصناعية والتكنولوجية في العالم خلال فترة زمنية قصيرة.
وفي هذا السياق، جاءت الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الجديدة التي وقعها البلدان في مارس 2026 لتشكل محطة مفصلية في تاريخ العلاقات الثنائية، إذ أرست إطارا حديثا وشاملا للتعاون الاقتصادي، يحل محل اتفاقية التجارة القديمة الموقعة عام 1972. وتعكس هذه الاتفاقية إدراك البلدين لحجم التحولات الاقتصادية العالمية، وضرورة الانتقال بالعلاقات إلى مرحلة أكثر ديناميكية تقوم على الاستثمار والتكامل الاقتصادي ونقل التكنولوجيا.
وتكتسب هذه الاتفاقية أهمية إستراتيجية لأنها تؤسس للجنة أردنية–كورية مشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري، بما يسمح بمتابعة المشاريع المشتركة، وتذليل العقبات أمام المستثمرين، وفتح مجالات جديدة للتعاون في قطاعات الصناعة والخدمات والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا الرقمية. كما تسهم في خلق بيئة أعمال أكثر جاذبية وتشجيع القطاع الخاص في البلدين على بناء شراكات طويلة الأمد.
وعلى الصعيد الاقتصادي، شهد حجم التبادل التجاري بين البلدين نموا ملحوظا خلال العقدين الماضيين، حيث أصبحت كوريا الجنوبية مصدرا رئيسيا للسيارات والإلكترونيات والتكنولوجيا المتقدمة في السوق الأردنية، بينما يسعى الأردن إلى تعزيز صادراته من الألبسة والأدوية والأسمدة والمنتجات الكيماوية إلى السوق الكورية. كما تمثل الصناعات الدوائية الأردنية أحد المجالات الواعدة للتوسع في التعاون الثنائي، في ظل السمعة الجيدة التي تتمتع بها الأدوية الأردنية في الأسواق الدولية.
أما في مجال الاستثمار، فقد نفذت الشركات الكورية الجنوبية عددا من المشاريع التنموية والإستراتيجية في الأردن، خاصة في قطاعات الطاقة والنقل والبنية التحتية. ويطمح الأردن إلى جذب المزيد من الاستثمارات الكورية في مجالات التكنولوجيا الحديثة، والطاقة المتجددة، والصناعات الذكية، والنقل العام، وتحلية المياه، خاصة في ظل رؤية التحديث الاقتصادي التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني.
وفي المجال التكنولوجي، تبدو الفرصة كبيرة أمام الأردن للاستفادة من الخبرة الكورية الرائدة عالميا في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والصناعات الإلكترونية. فكوريا الجنوبية اليوم تُعد مدرسة عالمية في الابتكار والتكنولوجيا والتعليم التقني، وهو ما يدفع الأردن إلى التفكير بجدية في التحول إلى منصة إقليمية لنقل التكنولوجيا الكورية إلى العالم العربي، مستفيدا من موقعه الجغرافي واستقراره السياسي وعلاقاته العربية والدولية.كما شهد التعاون الأكاديمي والثقافي تطورا واضحا، حيث وقعت الجامعات الأردنية والكورية العديد من اتفاقيات التعاون في مجالات البحث العلمي والتبادل الأكاديمي والمنح الدراسية. وأسهمت الوكالة الكورية للتعاون الدولي (KOICA) بشكل بارز في دعم برامج التعليم والتدريب المهني والتنمية البشرية في الأردن، إلى جانب تمويل مشاريع تنموية في قطاعات الصحة والتعليم والإدارة المحلية.
ومن الجوانب المهمة في العلاقات الثنائية أيضا تنامي التعاون السياحي والثقافي، خاصة في مجالات السياحة الدينية والعلاجية. فالأردن يمتلك مقومات سياحية وتاريخية فريدة يمكن أن تجذب المزيد من السياح الكوريين، خصوصا إلى البتراء، ووادي رم، وموقع المعمودية، والبحر الميت. كما أن التبادل الثقافي أسهم في تعزيز التفاهم الشعبي بين المجتمعين الأردني والكوري.
سياسيا، تتسم العلاقات بين البلدين بدرجة عالية من التفاهم والتنسيق، حيث تنظر كوريا الجنوبية إلى الأردن باعتباره نموذجا للاستقرار والاعتدال في الشرق الأوسط، بينما يرى الأردن في كوريا الجنوبية شريكا دوليا موثوقا يتمتع بثقل اقتصادي وتكنولوجي عالمي متنامٍ. وقد انعكس ذلك في الزيارات المتبادلة بين المسؤولين، والحرص المستمر على تطوير العلاقات في مختلف المجالات.
وفي المحصلة، فإن العلاقات الأردنية–الكورية الجنوبية لم تعد مجرد علاقات تعاون تقليدية بين دولة مانحة ودولة متلقية للمساعدات، بل أصبحت نموذجا لشراكة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة ونقل المعرفة. ومع الاتفاقية الاقتصادية الجديدة لعام 2026، يبدو أن البلدين يدخلان مرحلة جديدة أكثر عمقا وطموحا، قد تجعل من الأردن بوابة للتكنولوجيا والاستثمار الكوري في المنطقة، ومن كوريا الجنوبية شريكا رئيسيا في دعم مسيرة التحديث الاقتصادي الأردني خلال السنوات المقبلة.
 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية