أبو زينة يكتب: "إسرائيل الكبرى" كمشروع "لا مكاني"..! (2)

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


بالتأسيس على ما يمكن تسميته بـ"إسرائيل الكبرى الممكنة"، يمكن قراءة مفهوم "إسرائيل الكبرى" كبنية لهيمنة إقليمية مرنة، تُدار على أساس تفكيك مراكز القوة في المحيط وإعادة تركيب الإقليم داخل منظومة أمنية–اقتصادية تتمحور حول الكيان. ووفق هذه القراءة، تتجاوز دلالة خريطة بنيامين نتنياهو لـ"منطقة النعمة ومنطقة النقمة" الوصف السياسي الظرفي إلى الترجمة التطبيقية لفكرة "إسرائيل الكبرى" في تصوراتها المعدَّلة.
 

وفق هذا التصوُّر، وُضعت داخل حدود "منطقة النعمة" دول إقليمية يراها نتنياهو منخرطة في أطر تعاون أمني أو اقتصادي أو سياسي مع الولايات المتحدة والكيان، سواء بدافع الحاجة إلى الاستقرار، أو مواجهة التهديدات الإقليمية، أو البحث عن مظلة حماية دولية. وتضم "منطقة النقمة" دولًا ومجتمعات بقيت خارج هذا النسق -أو تصادمت معه. ويمكن ملاحظة أن أوضاع هذه الدول اتسمت خلال العقدين الأخيرين، بسبب موقفها، بالتفكك والحروب الأهلية والانهيار المؤسسي -العراق وليبيا وسورية، بالإضافة إلى الاستنزاف المستمر في لبنان وغزة. وبذلك تتحول خريطة نتنياهو من خريطة جغرافيا إلى خريطة وظائف، تحدد من هو الذي سيُدمج في النظام، ومن سيُدفع إلى هامش النظام أو التجريد من القدرة على الفعل.
بالإضافة إلى ملاحظات فرانشيسكا البانيزي المقتبسة في الجزء السابق من هذا المقال، ثمة مداخلة ملفتة لدانيال ليفي، المحلل السياسي من الكيان الذي شارك شارك سابقًا في مفاوضات السلام مع الفلسطينيين، والتي تؤكد على التحول الجاري في المفهوم. قال في مقابلة:
"ما أريد قوله هو أننا نتحدث كثيرًا عن ’إسرائيل الكبرى‘. حسنًا. من المفهوم أن الناس عادة ما يربطون ذلك بالتوسع في الأراضي والاستيطان. وهذا شيء رأيناه بطبيعة الحال في المناطق الفلسطينية، ونراه الآن مع توسيع إسرائيل لحدودها بينما تحاول إقامة منطقة أمنية في جنوب لبنان مجددًا بعد أن فعلت ذلك لثمانية عشر عامًا وانسحبت أخيرًا في العام 2000. ونرى ذلك في سورية، حتى أبعد من هضبة الجولان التي ضُمت بطريقة غير قانونية. لكن ما أقترحه هو مفهوم هيمنة إسرائيل الكبرى -وهو مشروع للهيمنة في المنطقة لا يتعلق فقط بالأراضي، ويتعلق بالمدى الذي تستطيع إسرائيل أن تمارس فيه هيمنتها الصلبة، ولتحقيقه تسعى إلى خلق وضع تكون فيه محاطة بدول إما منهارة، أو فوضوية في طور التفكك والتمزيق، وبذلك لا تستطيع أن تشكل أي تحدّ لمشروع ’إسرائيل الكبرى‘ هذا، أو دول تجد نفسَها وقد احتوتها إسرائيل بسهولة بسبب نقاط الهشاشة والاعتمادية التي تقوم إسرائيل بخلقها فعليًا فيها".
بطبيعة الحال، لا يمكن فصل هذا التصور عن المشهد الأوسع الذي تعمل وفقه الإستراتيجية الأميركية في الإقليم. وكما أشارت فرانشيسكا ألبانيزي في مقابلتها مع كريس هيدجز، تأسست المقاربة الأميركية التاريخية في الشرق الأوسط على منع تشكّل قوة إقليمية موحّدة قادرة على تحدي النفوذ الغربي، عن طريق إدارة توازن قائم على التفكيك وإحباط التكامل. وداخل هذا الإطار، يؤدي الكيان الصهيوني وظيفة مركزية باعتباره القوة المحلية الأكثر اندماجاً في المنظومة الغربية، والأكثر قدرة على تحويل تفوقه العسكري والتقني إلى أداة لضبط الإقليم.
ويؤكد دانيال ليفي على صلة الولايات المتحدة: "لا أريد أن أقترح أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي شجعت التمزق الذي نشهده في المنطقة. لكنها في حالة إسرائيل إستراتيجية جيوسياسية. وبهذا المعنى، جاء ما تحاول إسرائيل أن تفعله بجر الولايات المتحدة إليها لأنها لا تستطيع أن تفعله بنشر جيشها وحده، وإنما بإشراك جيش الولايات المتحدة أيضًا. وهي لم تنجح في ذلك، كما أود الإشارة. إن ما تحاول إسرائيل أن تفعله ليس نوعًا من الحلم بإحداث تغيير للنظام في إيران. إنها لا تصدق ذلك حقًا. إنها تسعى إلى تحقيق انهيار النظام والدولة."
بذلك، يصعب رؤية تدمير أو إضعاف الدول المركزية في الإقليم على أنه نتيجة عرضية للصراعات. إنه في الحقيقة شرط قَبلي مركزي لمنع نشوء تكتل عربي أو إقليمي قادر على إنتاج نوع من الاستقلال الإستراتيجي. وفي المقابل، تقوم اتفاقات التطبيع التي تسلها أو تفرضها الولايات المتحدة إلى بدمج من يمكن دمجهم في بنية أمنية واقتصادية إقليمية تقودها واشنطن، ويحتل فيها الكيان منزلة مركز الثقل الرئيسي. وبذلك، تتحول "إسرائيل الكبرى" من مشروع أحادي إلى صيغة تشغيل داخل نظام إمبريالي أوسع، يُعاد فيه تعريف الاستقرار بوصفه التوافق مع شروط الهيمنة بدل أن يكون نتاجًا لتوازن قوى.
يقترح هذا الفهم حدوث انتقال مفاهيمي من "إسرائيل توسعية" إلى "إسرائيل مُهيمِنة". ومعه يتحول الهدف المركزي من السيطرة المباشرة على الأرض إلى إنتاج بيئة إقليمية غير قادرة على إنتاج تهديد متماسك للمشروع. وبذلك تتقاطع قراءة الكيان مع منطق أوسع لإدارة الإقليم قوامه إبقاء بقية دول الإقليم في أطوار متفاوتة من الضعف والاعتمادية والاضطراب، بما يضمن استمرار تفوق الكيان في منظومة غير متكافئة.
ربما يكون من بواعث الأمل في إفشال هذا المشروع ما يبدو انتباهًا من بعض دول الإقليم إلى الخطر الكامن في هذا التحول. ومن بين الذين لاحظوا هذا الانتباه كان الباحث البريطاني هـ. أ. هيليير H.A. Hellyer في مقال حديث نشره في مجلة "فورين أفيرز" بعنوان "نهاية محور أبراهام". كتب هيليبر:
"أصبحت اتفاقات التطبيع إحدى الآليات التي سعت من خلالها الولايات المتحدة إلى إدماج حكومات الخليج ضمن نظام إقليمي يقوم على فكرة أن تتمتع إسرائيل بهيمنة دائمة على جيرانها".
وكتب أيضًا: "... ترفض هذه الدول (يشير إلى دول الخليج) افتراضاً تتبناه الولايات المتحدة وإسرائيل بأن بالإمكان دمج دول الخليج ضمن بنية أمنية إقليمية تقوم على هيمنة إسرائيل -بنية تحتفظ فيها إسرائيل بتفوق عسكري حاسم على جيرانها، وبحرية الحركة عبر الحدود، والقدرة على فرض الشروط التي يتعين على الآخرين التكيف معها. وقد بدا مثل هذا الترتيب منطقياً بالنسبة للقادة الأميركيين والإسرائيليين...".
من الواضح أن الكلمة المطمئنة في قراءة هليير هي: "ترفض". وهو موقف يجب أن يتأكد بالكفّ عن تسويق القبول بمشروع الكيان والأميركان باعتبار القبول كفًا لشرّ تحقُّق "إسرائيل الكبرى" بالمعنى المكاني. إن "إسرائيل الكبرى" قيد التحقق، وعلى الجميع الاعتراف بذلك حتى يكون بالإمكان إيقافه.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية