أبو زينة يكتب: "إسرائيل الكبرى" كمشروع "لامكاني"..! (1)

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


في حوار مع الصحفي الأميركي كريس هيدجز، تقول فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة:
 

«في الحقيقة، أحد الأمور التي جعلتني فلسطين أدركها هو معنى ’إسرائيل الكبرى‘. لأنني أعتقد أن ما يدور في ذهن القيادة الحالية في إسرائيل -والمدعوم من الكثيرين، سواء برغبتهم أو من دونها في المجتمع الإسرائيلي، والكثيرون لا يرون في ذلك مشكلة -هو محو الفلسطينيين.
«لكن هناك فكرة ’إسرائيل الكبرى‘، وكنتُ لوقت طويل من بين الذين تساءلوا عما تعنيه ’إسرائيل الكبرى‘. لأنك تنظر بالطبع إلى الخرائط التي عرضها قادة إسرائيليون في مناسبات عديدة، والتي تمتد فيها ’إسرائيل الكبرى‘ من النيل إلى الفرات، وتقول: هيا، مستحيل، لا يمكنهم فعل ذلك، لا يمكنهم أن يحتلوا مصر، ولبنان، والعراق.
«لكنّ كل شيء يتغير بعد ذلك حين تنظر إلى الأمر من زاوية غير مرتبطة بتوسيع الحدود الإقليمية. إنك إذا فكرت بأن السيطرة يمكن في الحقيقة فرضها؛ ترسيخها بطرق أخرى غير توسيع الحدود المادية وغير الاحتلال العسكري، وإنما من خلال الهيمنة والسيطرة المالية، السيطرة من الخارج، هيمنة القوة، فإنك سترى أن تحقيق مشروع ’إسرائيل الكبرى‘ قد بدأ بالفعل، وأنه في مرحلة متقدمة جدًا.
«انظر إلى تدمير العراق، وليبيا، وسورية ولبنان. وإذن، كل أولئك الذين كانوا يُعتبرون تاريخيًا غير أصدقاء لإسرائيل تم القضاء عليهم. والدول الأخرى المتبقية إمّا لا تملك القدرة على مواجهة إسرائيل -ناهيك عن أنها تستبعد تمامًا حتى مجرد التفكير في استكشاف فكرة الوحدة بينها أو مع غيرها- أو أنه لا مشكلة لديها في ما يحدث.
«في النهاية، أعتقد أن ’إسرائيل الكبرى‘ هي التفسير الجوهري للتصميم الإمبريالي الأميركي في تلك المنطقة من العالم، الذي يشكل فيه الفلسطينيون شوكة في خاصرة إسرائيل –بل في خاصرة المشروع الإمبريالي نفسه، لأن الفلسطينيين ما يزالون هناك، يقاومون. (انتهى الاقتباس)
تدعو هذه الملاحظات بعض المعلقين العرب إلى الكفّ عن ترويح فهم مجتزًا ومضلل لمشروع «إسرائيل الكبرى»، قائم على فكرة أن الطريقة التي أوصى بها الحكيم لإحباط المشروع هي «عدم منح الذرائع» للكيان لتحقيق مشروعه باحتلال الأراضي العربية. و»الذرائع»، وفق فهمهم، هي أن «استفزار» الكيان المتفوق عسكريًا وتقنيًا بما يتيح له الفرصة الغزو والاحتلال والتمدد في الدول المجاورة -حيث «الاستفزاز» يساوي «مقاومة مشروعه للهيمنة». وبحسبهم، سيكون الأسلم لرأسك أن تنسجم مع «الشرق الأوسط الجديد» السلمي، وتنضم إلى مسار تطبيع الكيان والهيمنة الأميركية وقبول ذلك كمسلّمة لا تقبل الاستنطاق ولا عنها بديل.
وإذا لم يكن الأمر يتعلق بالحتمية، فإنه يُفسر بالإمكانية. ينظر هؤلاء المعلقون إلى الخرائط التي يرسمها ويعرضها المتطرفون الأيديولوجيون في الكيان لمساحة تمتد من الفرات إلى النيل، ويبسطونها باعتبارها مجرد صناعة أسطورية سياسية ورمزية أكثر منها خططاً فعلية: كيف يمكن أن يحتل الكيان حقًا –بإمكانياته البشرية المحدودة- مصر ولبنان والعراق، وأكثر، ويتمكن من التثبت فيها والسيطرة عليها؟!
ما تفعله ألبانيزي في مداخلتها هو الإشارة المهمة إلى أنّ هذا الفهم «الإقليمي» التقليدي والتبسيطي يحجب الطبيعة الحقيقية للمشروع. لا تتعلق ’إسرائيل الكبرى‘، كما تصفها، برؤية لتوسيع حدود الكيان بقدر ما هي استراتيجية لتوسيع مجالات الهيمنة: السياسية والاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية. وهي رؤية لا يتطلب تحققها بالضرورة رفع علم الكيان فوق عواصم العرب بالغزو، وإنما يمكن أن تتحقق بمجرد إعادة تشكيل النظام الإقليمي بحيث يصبح الكيان مركزه غير القابل للاستنطاق، وعلى الطريق يتم تجريد الفلسطينيين –المتحدين الأساسيين للمشروع- من قدرتهم على الفعل السياسي، والعسكري.
يدرك هذا الفهم غير الإقليمي من ’إسرائيل الكبرى‘ أنّ الهيمنة اليوم لم تعد مشروطة بالاحتلال الاستعماري الكلاسيكي. وبذلك لا ضرورة لتحقيق ’إسرائيل الكبرى‘ بالضم غير القانوني للأرض عندما يمكن تحقيقها بفرض تراتبيات إقليمية، وإضعاف أو تفكيك الدول المنافسة، وصنع أنظمة تابعة أو متواطئة. وتضع ألبانيزي «الإبادات» في العراق وليبيا وسورية وانهيار لبنان في السياق، باعتبار ذلك جزءًا من تحويل بنيوي لميزان القوى الإقليمي. وسواء كان الكيان هو الذي نظم هذه الانهيارات مباشرة أو من المقاعد الخلفية، فإنّ النتيجة تصبّ تماماً في مصلحته الاستراتيجية: كل دولة شكلت تاريخياً قدرة على تحديه، في الواقع أو الإمكان، تم تدميرها أو تفتيتها أو جعلها عاجزة عن لعب دور مؤثر في الإقليم. وبذلك يجري تحقيق ’إسرائيل الكبرى‘ فعلياً بإزالة كلّ موازِن تاريخي ممكن للقوة شكل عقبه في طريقها.
في الحقيقة، ربما تكون ممارسة الهيمنة من الخارج، من دون احتلال مادي، أقل كلفة بكثير من الضمّ المباشر. لن يحتاج الكيان إلى دخول بيروت أو بغداد بدباباته ومواجهة مقاومة المواطنين إذا أمكن إنهاك هذه البلدان إلى حدّ العجز السياسي، والارتهان الاقتصادي، والصراع الأهلي الدائم. ولا هو يحتاج إلى استيعاب الدول العربية في حدوده عندما تمكّنه قدراته العسكرية والاستخبارية الفائقة من ضرب أي أهداف في الإقليم بلا رادع لدى أي مظهر لـ»التمرد» على الترتيب. وفي النهاية، ستكون القدرة على التأثير في نتائج الأحداث من دون السيطرة مباشرة على الأرض مباشرة شكلًا من أشكال السيادة. ولعل هذا هو منطق ’إسرائيل الكبرى‘ كترتيب إمبريالي، يعاد فيه تنظيم الإقليم بعيدًا عن حدود الكيان الجغرافية، وقريبًا من تفوق قدراته وامتيازاته.
وثمة الاقتصاد والتقنية اللذين يؤكدان هذه الهيمنة «اللامكانية». ثمة ممرات الطاقة، وشراكات الأمن السيبراني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتجارة السلاح، ومبادرات الاندماج الإقليمي التي تدعمها الولايات المتحدة. وهي طرُق تدمج الكيان في البُنى التحتية التي تربط دول المنطقة معًا وبالاقتصاد العالمي. وبحكم ضمان تفوق أميركا والكيان ستغني التبعية عن الفتح العسكري. وسيتمتع الذي يمتلك القدرة على التأثير في الموانئ، وأنظمة المراقبة، وحقول الغاز، وشبكات المياه بنفوذ يعادل على الأقل ما يمكن أن تحقيقه بالضمّ الإقليمي. وفي هذا الترتيب، ستبدو ’إسرائيل الكبرى‘ أقل شبهاً بخريطة، وأقرب إلى شبكة علاقات «لامتكافئة» تضمن للكيان فرض شروطه على دول «خريطة النعمة».
 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية