خطاطبة يكتب: الحروب.. امتحان حقيقي في إدارة الأزمات
محمود خطاطبة
عندما تنجح الدولة في عبور أو اجتياز اختبار إقليمي ثقيل أو عسير، فذلك يُعد إنجازاً يُسطر بمداد من فخر، ونجاحاً يُكتب بأحرف من مجد إثر مجد، وصورة مشرقة للوطن، أياً كان حجمه وموارده، وذلك شريطة وجود هامات لا تنحني إلا لله عز وجل، ورجال أكفاء مخلصين كل في مجاله.
فعند اشتعال أو اندلاع الحروب، أكان بمجاورة الدولة أم الإقليم أم المنطقة، لا يكون التحدي عسكرياً فقط، بل يمتد ليشمل الأبعاد الاقتصادية والمعيشية التي تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، ما يضع مؤسسات الدولة أمام امتحان حقيقي جديد في إدارة الأزمات. عندها، يتوجب على المسؤولين كل في موقعه، ومنذ اللحظة الأولى، أن تكون هناك قرارات واضحة وحاسمة، وخطط مدروسة، بغية الابتعاد قدر المستطاع عن ردود الفعل المتأخرة والاكتفاء بها.
في مثل هذه الحالة، تكون الحكومة مطالبة بالتحرك على أكثر من صعيد، ضمن مساحة محسوبة وإستراتيجية دقيقة، عنوانها التحوط، وأداتها ضبط الإيقاع الاقتصادي، وذلك عن طريق تبني إجراءات تقشفية، وإعادة ترتيب الأولويات، وضرورة شد الأحزمة في مواجهة مرحلة قد تطول.
نعم، قد يكون هذا الخطاب مألوفاً لدى الكثيرين، لكنه يصبح أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للتنبؤ، عندما يرتبط بسياق إقليمي، تشكل الطاقة فيه ركناً أساسياً في بناء ونهضة الدول، وبالتالي الدول لا تملك وقتها ترف الخيارات، لاسيما مع إغلاق أو ضرب منابع الطاقة أو طرق إمدادها. لذا، يكون من الضروري التوجه نحو ترشيد الاستهلاك، ويصبح الاعتماد على سياسات رشيدة تهدف إلى التقليل من الاعتماد على الخارج أمراً طبيعياً، خصوصاً عندما تشهد الأسواق العالمية تقلبات حادة.
كما أنه يتوجب الانتباه جيداً لـ"الأمن الغذائي"، فعلى المؤسسات، أكانت في القطاع العام أم الخاص، أن تكون أكثر استعداداً في الحروب وعند الأزمات، فالمخزون الإستراتيجي من المواد الأساسية والمحروقات لم يعد مجرد بند في التقارير، بل أداة فعلية لطمأنة السوق والمواطن، وبالتالي منع الارتباك. إن إحسان إدارة هذه الملفات يُعد مؤشراً على كفاءة الأداء التنفيذي للدولة، ويؤكد قدرتها على ضبط الأمور في الأوقات الصعبة، وإبقائها تحت السيطرة.
بقي أن أشير إلى أن الهدف من الإجراءات الاستباقية هو منع حدوث أي اختلالات في الأسواق، وضمان استمرارية سلاسل التوريد، والحفاظ على استقرار الأسعار، ومنع الممارسات الاحتكارية، ومعالجة أي معوقات قد تواجه القطاعين التجاري والصناعي في ظل الظروف الطارئة، ما يعني إيماناً بأولوية الاستقرار. وهذا كله يساهم في خلق حالة من الثقة العامة داخلياً وخارجياً.
تعكس تلك الإجراءات ثقة واضحة بقدرة الدولة على تجاوز التحديات، وتعزز من صورتها كدولة متماسكة، قادرة على إدارة الأزمات بحكمة واتزان. بمعنى ثانٍ فإنه يتعين على الدولة تقديم نموذج لا يعتمد على ردود الفعل، بل على قراءة استباقية للمشهد، وعلى مؤسسات تعرف أدوارها وتعمل بتناغم واضح.
وإذا كان من خلاصة يمكن الوقوف عندها، فهي أن الدول ذات الموارد المحدودة، ومن ضمنها الأردن، تمتلك نموذجاً خاصاً أو فريداً في إدارة الأزمات، يقوم على الانضباط والتدرج والقدرة على التكيف مع المتغيرات. عن طريق تلك الإستراتيجية، وما تتضمنه من قرارات وإجراءات، تنجح هذه الدول في تجاوز الاختبارات الصعبة، والخروج منها بثبات يُحسب لها، الأمر الذي يعني أنها تمتلك رؤية واضحة وتعرف كيف تحمي نفسها في عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم.







