الفاهوم يكتب: حين تتحول الممرات إلى مصائر دول وشعوب
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
تدخل المنطقة اليوم مرحلة مختلفة تمامًا عمّا عرفته خلال العقود الماضية؛ مرحلة لم تعد فيها القوة تُقاس فقط بحجم الجيوش أو الوفرة المالية أو حتى النفوذ السياسي التقليدي، بل بقدرة الدول على التموضع الذكي داخل شبكة عالمية معقدة من الممرات الاقتصادية والتكنولوجية والمعرفية واللوجستية. ومن هنا يمكن فهم العمق الحقيقي لكلمة سمو الأمير الحسن بن طلال، التي لم تكن قراءة سياسية عابرة لواقع إقليمي مضطرب، بل محاولة واعية لإعادة تعريف شكل المستقبل الذي يتكوّن أمام أعيننا بصمتٍ متسارع.
فالحديث عن “عالم متعدد الممرات” يتجاوز في مضمونه فكرة الطرق التجارية أو خطوط النقل والطاقة، ليصل إلى إعادة تشكيل مفهوم الدولة نفسها. فالدول التي كانت تُقاس أهميتها يومًا بمساحتها أو مواردها الطبيعية، أصبحت تُقاس اليوم بقدرتها على أن تكون نقطة عبور وتأثير وربط بين الاقتصادات والثقافات والتقنيات وسلاسل الإمداد العالمية. ولهذا لم يكن وصف سمو الأمير الحسن للممرات بأنها “مشروع حضاري” توصيفًا إنشائيًا أو بلاغيًا، بل قراءة دقيقة لتاريخ الحضارات نفسها؛ إذ لم تزدهر الحضارات الكبرى يومًا في العزلة، وإنما نشأت حول طرق التجارة والمعرفة وحركة الإنسان والأفكار.
وعندما ننظر إلى التاريخ نجد أن المدن التي صنعت التأثير لم تكن دائمًا الأغنى أو الأكبر، بل الأكثر اتصالًا بالعالم. فالإسكندرية، ودمشق، وبغداد، وقرطبة، والبصرة، وحتى المدن الواقعة على طرق الحرير القديمة، لم تكن مجرد نقاط جغرافية، بل مراكز لإنتاج الفكر والاقتصاد والثقافة. واليوم يعود العالم بطريقة مختلفة ليعيد إنتاج الفكرة ذاتها، لكن بأدوات أكثر تعقيدًا؛ فالممرات الحديثة لم تعد تقتصر على السفن والشاحنات، بل تشمل الكابلات البحرية، ومسارات الطاقة، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وسلاسل التصنيع الدقيقة، وحتى حركة العقول والكفاءات البشرية.
وفي هذا السياق تبدو المنطقة العربية أمام اختبار تاريخي حقيقي؛ فإما أن تدرك أنها تقع في قلب العالم الجديد جغرافيًا واستراتيجيًا، أو أن تستمر في التعامل مع نفسها بوصفها هامشًا ينتظر ما تقرره القوى الكبرى. وهنا تحديدًا تظهر قيمة الطرح الذي قدمه سمو الأمير الحسن، لأنه يحاول نقل التفكير من عقلية ردّ الفعل إلى عقلية صناعة الموقع والدور.
فالممرات لا تُبنى بالإسمنت والحديد فقط، بل تُبنى أولًا بالإرادة السياسية والثقة المتبادلة والقدرة على تجاوز الحسابات الضيقة. وربما لهذا شدد سموه على فكرة “الشراكات القائمة على المنفعة المتبادلة والإدارة المستدامة”، لأن المنطقة دفعت أثمانًا باهظة نتيجة غياب هذا الفهم. فكم من مشروع تكامل اقتصادي تعطل بسبب خلاف سياسي مؤقت؟ وكم من فرص تنموية ضاعت لأن كل دولة كانت تنظر إلى ذاتها بمعزل عن محيطها؟ بينما العالم من حولنا يتجه نحو التكتلات الكبرى التي تدرك أن الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي والطاقة لم تعد ملفات قابلة للإدارة الفردية.
وإذا كان العالم قد تعلّم من الأزمات الأخيرة شيئًا، فهو أن الدول التي لا تمتلك شبكات تعاون مرنة تصبح أكثر هشاشة عند أول اضطراب عالمي. فخلال جائحة كورونا تعطلت سلاسل التوريد، واختبرت الدول لأول مرة معنى أن يتحول انقطاع شحنة أو دواء أو رقاقة إلكترونية إلى أزمة سيادية. ثم جاءت الحروب والأزمات الجيوسياسية لتؤكد أن من يتحكم بالممرات يتحكم بجزء كبير من الاقتصاد العالمي، بل ومن الأمن العالمي نفسه.
ومن أكثر النقاط عمقًا في كلمة سمو الأمير الحسن ربطه بين هذه التحولات ومفهوم “الأمن الإنساني”. فالأمن لم يعد مفهومًا عسكريًا جامدًا كما كان يُقدَّم لعقود طويلة. الإنسان اليوم قد يشعر بانعدام الأمن بسبب البطالة، أو نقص المياه، أو غياب العدالة التعليمية، أو ضعف الرعاية الصحية، أو حتى بسبب العجز عن الوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا. ولذلك فإن أي حديث عن التنمية أو الممرات أو الاقتصاد دون انعكاس مباشر على كرامة الإنسان وجودة حياته سيبقى مشروعًا ناقصًا مهما بدا ضخمًا على الورق.
وهنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه الأردن في المرحلة المقبلة. فالأردن، رغم محدودية موارده، يمتلك عنصرًا بالغ الأهمية في عالم التحولات الكبرى، وهو الاستقرار والقدرة على بناء التوازنات والعلاقات المتعددة. كما أن موقعه الجغرافي يضعه تلقائيًا ضمن معادلات الربط الإقليمي في الطاقة والنقل والتكنولوجيا والتعليم والخدمات اللوجستية. غير أن تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة استراتيجية يحتاج إلى عقل اقتصادي جديد، وتعليم أكثر ارتباطًا بالمستقبل، واستثمار حقيقي في الإنسان والبحث العلمي والاقتصاد المعرفي.
ولعل من المهم هنا أن ندرك أن المنافسة القادمة لن تكون فقط بين الدول، بل بين النماذج القادرة على إنتاج المعرفة واستيعاب التكنولوجيا وإدارة التنوع وتحويل الشباب إلى قوة إنتاجية. فالعالم الذي يتشكل اليوم لا ينتظر المترددين، ولا يمنح الفرص لمن يكتفي باستهلاك التحولات بدل المشاركة في صناعتها.
كما أن استضافة مثل هذه الرؤية داخل كلية الدفاع الوطني الملكية الأردنية يحمل دلالة عميقة بحد ذاته؛ إذ إن مفهوم الدفاع الوطني لم يعد منفصلًا عن الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا والموارد الطبيعية. فالأمن في القرن الحادي والعشرين يبدأ من الجامعة كما يبدأ من المؤسسة العسكرية، ويبدأ من المختبر كما يبدأ من الحدود، ويبدأ من القدرة على إنتاج المعرفة بقدر ما يبدأ من امتلاك أدوات الردع التقليدية.
وفي جوهر هذه الرؤية يبرز البعد الإنساني الذي لطالما شكّل جوهر فكر سمو الأمير الحسن؛ فالعالم لا يمكن أن يستقر عبر المصالح وحدها، بل يحتاج إلى منظومة قيم تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه غاية التنمية لا مجرد رقم داخل معادلات الاقتصاد والسياسة. ولهذا فإن بناء ممرات عادلة ومستدامة لا يعني فقط تسهيل حركة التجارة، بل يعني أيضًا خلق بيئات أكثر استقرارًا وإنصافًا وقدرة على حماية الإنسان من التهميش والفقر والصراعات.
إن المنطقة اليوم لا تحتاج فقط إلى مشاريع بنية تحتية، بل تحتاج إلى بنية فكرية جديدة تعيد تعريف علاقتها بالمستقبل. وربما تكمن القيمة الأعمق في كلمة سمو الأمير الحسن في أنها تدفعنا إلى التفكير بطريقة مختلفة؛ ليس كيف ننجو من التحولات، بل كيف نصبح جزءًا من صناعتها، وكيف نحول الجغرافيا إلى فرصة، والإنسان إلى محور، والتعاون إلى ضرورة وجود لا خيارًا سياسيًا مؤقتًا.



