لعبة القمم.. الصين تنتظر ترامب المثقل بحرب إيران

{title}
أخبار الأردن -

يسلط مقالان في موقعين إخباريين أمريكيين بارزين الضوء على الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتصف مايو/أيار 2026 للصين، فيبرزان التحول في موازين القوى لصالح بكين والعبء الذي يثقل كاهل الإدارة الأمريكية الحالية.

يرسم المقالان صورة مركبة لما يمكن تسميته بـ"لعبة القمم" بين واشنطن وبكين، حيث تأتي هذه الزيارة في لحظة تحوّل عميق، صين أكثر ثقة واستقلالًا، وأمريكا، في نظر كثيرين، منشغلة بأزماتها، من الحرب مع إيران إلى اضطرابها الداخلي.

ويتفق المقالان في نيويورك تايمز وفورين أفيرز على أن المشهد الجيوسياسي الحالي مختلف جذريا عما كان عليه في ولاية ترامب الأولى، إذ لم تعد الصين تنظر إلى واشنطن بصفتها "النموذج الملهم"، بل كحالة "تنبيه وتحذير" من عدم الاستقرار.


ويبرز الكاتب جاكوب دراير أن الصين "تحررت نفسيا" من النموذج الأمريكي، مستذكرا تجربته الشخصية في شنغهاي عام 2008 حين كان ينظر لأمريكا بوصفها "ميغيو" أو "البلد الجميل"، مصدر الإلهام والطموح.

وقال: "كل ما كانت تتمناه المدارس الصينية هو مجرد القرب من شخص قادم من هذا البلد (أمريكا) الغني الواثق من نفسه، لكن هذه الصورة تبدلت جذريا"، على حد تعبيره.

فالصين وفقا لما كتبه دراير في نيويورك تايمز لم تعد ترى في زيارة ترمب صكا لشرعيتها الدولية، فبينما يغرق ترامب في تبعات "حربه على إيران" وتراجع معدلات تأييده محلياً، تبدو الصين واثقة بمسارها المستقبلي، وفقا للكاتب.

ويضيف أن ترامب سيصل إلى بكين بوصفه شخصية ذات أهمية متضائلة في العيون الصينية أكثر من أي رئيس أمريكي زائر سابق. ويؤكد الكاتب أن التوقعات يجب أن تكون منخفضة، فالصين لم تعد تنتظر "الاعتراف" الأمريكي.

ويستشهد هنا بقول الرئيس الصيني الأسبق دنغ شياو بينغ "إذا أرادت الصين أن تكون غنية وقوية، فهي تحتاج إلى أمريكا".

ويعلق الكاتب على ذلك بقوله إن هذا لم يعد ينطبق كما في السابق، فالصين، بحسب المقال، "تعلمت ما يكفي" وبدأت ترسم مسارها الخاص.

والأهم أن هذا التحول لم يعد يقتصر على النخبة السياسية، بل طال أطياف الرأي العام، وهو ما يفسره ما ينقله الكاتب من انطباعات لصينيين عادوا من أمريكا وهم يتحدثون عن "التشرد، والتدهور، والانقسام السياسي"، مقابل "مدن صينية نظيفة وآمنة وبنية تحتية متألقة".

ويبرز ما قال إنه سمعه في نقاش داخل نادٍ ثقافي في شنغهاي، حيث لخّص أحدهم الشعور العام بقوله: "في الولايات المتحدة ينتابك شعور بأن الجميع فقد الإحساس بالحيوية والتفاؤل".

ومع ذلك، لا يقدم المقال صورة وردية بالكامل عن الصين؛ فهو يشير إلى تحديات داخلية مثل تباطؤ النمو، وبطالة الشباب، وتراجع معدلات الإنجاب، ولكن الفارق أن الصين لم تعد ترى في أمريكا مصدر الطمأنينة أو الحلول، بل تسعى لبناء نموذجها الخاص في التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية.

في المقابل، يقدم مقال مايكل كوفريغ في مجلة فورين أفيرز زاوية مختلفة تركز على "دبلوماسية القمم" وكيف تستفيد بكين من الارتباك الأمريكي.

ويصف الكاتب موجة زيارات قادة العالم إلى بكين بأنها "عرض سياسي ودعائي" يعزز سردية صعود الصين وتراجع الولايات المتحدة.

ويورد مثالا لافتا حين يقول رئيس وزراء كندا إن الشراكة مع الصين "تهيئنا جيدًا للنظام العالمي الجديد"، في مشهد اعتُبر "لحظة ليست بالجيدة للولايات المتحدة".

وبينما ينشغل ترمب بملفات الشرق الأوسط والأسواق المالية المتقلبة، يقول الكاتب، نجحت بكين في تحويل العاصمة الصينية إلى "قبلة" لقادة العالم، بما في ذلك حلفاء واشنطن مثل كندا وألمانيا وبريطانيا، الذين هرعوا لتأمين مصالحهم بعيداً عن "الهيمنة المفترسة" لواشنطن.

فهؤلاء القادة، بحسب المقال، يسعون لإرسال رسالة مفادها أن لديهم "خيارات أخرى" وأنهم لن يقبلوا بالضغوط الأمريكية، وهو ما يمنح الصين "هدية دبلوماسية" ثمينة.

لكن الكاتب يحذر من أن هذه الزيارات تخدم الصين أكثر مما تخدم أصحابها، خصوصا أن بكين تلعب لعبة طويلة، وتستخدم الترابط الاقتصادي كأداة نفوذ.

ويشير إلى أن القادة الزائرين يضطرون لتبني لغة دبلوماسية ناعمة مثل "الشراكة الإستراتيجية بدل طرح قضايا حساسة كحقوق الإنسان".

ويحذر أيضًا من أن السعي وراء مكاسب قصيرة الأجل -مثل صفقات تجارية- قد يؤدي إلى تبعية أعمق للصين، حيث تصبح الدول مزارع ومناجم ومحطات وقود تخدم الاقتصاد الصيني، بينما تتآكل قدراتها الصناعية.

دراير: ترمب يصارع من أجل البقاء في السنتين القادمتين، بينما يخطط الرئيس الصيني شي جين بينغ لعقود مستقبلية، واضعا الصين في مركز الطاقة المتجددة وإدارة البيانات العالمية

وفي ما يخص زيارة ترمب، يرى كوفريغ أن الخطر يكمن في سعيه إلى "صفقة استعراضية" قد تضر بالمصالح الإستراتيجية الأمريكية.

فإذا قدّم تنازلات كبيرة مقابل مكاسب سريعة، فإن ذلك سيؤكد لبكين أن واشنطن مستعدة للتكيف مع صعودها.

وانطلاقا من المقالين، يمكن القول إن "لعبة القمم" لم تعد كما كانت، بعد أن أصبحت الصين لاعبا يفرض إيقاعه في عالم بدأ يعيد ترتيب توازنه بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.


وتختم نيويورك تايمز بالتأكيد على أن المشكلة ليست في الاتفاقيات التجارية، بل في "فارق التوقيت".

ويفسر ذلك بقوله إن ترمب يصارع من أجل البقاء في السنتين القادمتين، بينما يخطط الرئيس الصيني شي جين بينغ لعقود مستقبلية، واضعاً الصين في مركز الطاقة المتجددة وإدارة البيانات العالمية.

وعندما يغادر ترمب بكين، قد يحمل معه أرقاماً اقتصادية جيدة، لكنه سيترك خلفه حقيقة مرة مفادها أن الصين لم تعد بحاجة لانتظار أمريكا.

لقد تجاوزتها بالفعل وقد باتت الآن هي من يحدد الأجندة ويرسم الطريق إلى الأمام، تماما كما كانت أمريكا تفعل في السابق، حسب الصحيفة.  
 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية