البراري يكتب: العرب بين التضامن الداخلي والإنفتاح الإقليمية
- هزاع البراري
تأكد موت جامعة الدول العربية سريريًا، بعد أن كشفت الحرب الأخيرة، باتساعها العملياتي الإقليمي وتأثيراتها العالمية المعقدة، عن عجز الجامعة العربية وخروجها عمليًا عن الخدمة. وقد عمّق هذا الواقع المرير الحاجة الملحّة إلى مظلة عربية جديدة للتآلف والتضامن، تصل بالضرورة إلى إنتاج آلية دفاع عربي مشترك فاعلة وذات أبعاد ردعية واضحة الأثر. وهذا البعد تحديدًا تجلّى أكثر بعد تعرّض عدد من الدول العربية في الخليج العربي والأردن لاعتداءات عسكرية يومية على مدى قارب الأربعين يومًا، وقد واجهت هذه الدول الاعتداءات الإيرانية والمليشيات المتحالفة معها، معتمدة على قواتها العسكرية وإمكاناتها الذاتية، دون أدنى إسناد عربي يُعتدّ به. حتى إن القمم العربية التي قادت التضامن العربي عقودًا طويلة تحت خيمة الجامعة العربية، اضمحلت وتلاشت، وغاب أثرها ولو على الصعيد المعنوي.
لكن هل يدفع هذا الواقع العربي والإقليمي إلى بناء منظومة عربية موحّدة أكثر فاعلية؟ هذا لا يعني ائتلاف جميع أعضاء الجامعة العربية في بوتقة منظمة واحدة، مع أن هذا حلم محمود وغاية متمنّاة، لكن أثبتت السنوات الطويلة أن التحالف العربي بهذا الاتساع لم يعد موجودًا، على الأقل منذ ثلاثة عقود، بسبب تعدد وجهات النظر، وتضارب المصالح أحيانًا، وعدم انسجام البرامج والتوجهات السياسية بين عديد الدول العربية. وقد أصاب هذا الحال الجامعة العربية بالعطب، فأصبحت مع الأيام وتراكم الأزمات العربية – العربية المزمنة خارج نطاق الخدمة، وتتهيأ للدخول في التقاعد المبكر، أو التحول إلى كيان رمزي لا يُعوّل عليه.
ما يزال الواقع بالغ التعقيد عربيًا، فشرق المتوسط لم يستقر على حال منذ عقود. ولبنان في حالة بحث مضنٍ عن الخلاص من حالة الغرق السياسي التي تحيق به منذ أن بدأ حزب الله في مصادرة الدولة اللبنانية، مع تراجع الزخم العربي المعاضد نتيجة تعقّد المشهد الداخلي اللبناني، وبروز إيران كقوة تحاول فرض أجندتها، وإسرائيل كقوة عسكرية تستخدم الساحة اللبنانية كجبهة متقدمة في المواجهة الطاحنة مع إيران. أما سوريا، فعلى أهمية التغيّر الكبير الذي أطاح بنظام الأسد، فإنها لا تزال في وضع شائك، تحاول فيه إعادة بناء الدولة، وسط تحديات حفظ وحدة الأرض السورية، ومجابهة المصاعب الأمنية والاقتصادية العميقة، إلى حد تهديد استقرار الدولة الهش بطبيعة الظرف الحالي. وأما العراق، فهو في مخاضات سياسية في مواجهة النفوذ الإيراني، والسعي إلى العودة للحاضنة العربية، وبناء حكومة تُحكم قبضتها على المليشيات المنفلتة، وتعميق علاقات حسن الجوار.
كانت دول الخليج العربي على خط النار في الحرب الأخيرة، وقد أصبحت أكثر فهمًا لعقلية إيران وعقيدتها العسكرية، لذا نجدها الأكثر حركة عربيًا وإقليميًا. كما أصبحت الأردن بُعدًا مركزيًا في هذا الحراك، وكان لجولات جلالة الملك الخليجية، في ذروة المواجهات العسكرية، دلالة على إدراك العقل السياسي الأردني حساسية المرحلة وحاجتها إلى حراك يتجاوز التضامن المعنوي إلى فعل رادع على الأرض. وهنا نشطت عواصم مثل الرياض وأبوظبي وعمّان والقاهرة، لبلورة تصور عملي وبعيد المدى لترجمة التضامن بصورته الجديدة، بما يحقق الأهداف والغايات العربية، وإعادة بناء المشروع الأمني العربي على المستوى الإقليمي في شرق المتوسط والخليج العربي، على أن تُشرع أبوابه لمن رغب من الأشقاء العرب في الانضمام إليه عن قناعة وإدراك حقيقيين. هنا تحديدًا تتغير المعادلة وتستقيم الحالة العربية.
لكن هل تسير الأمور تمامًا على هذا النحو الآن؟ ربما لا، إذ لم ينضج التصور العربي – العربي بعد، والدليل على ذلك بروز خطوات أسرع نحو ائتلافات إقليمية، مثل ما يجري من لقاءات لعواصم فاعلة كإسلام آباد والرياض وأنقرة، ويمكن إضافة القاهرة أيضًا. ويبدو أن هذا المسار يسير بخطوات أسرع وأكثر وضوحًا، ما يطرح السؤال الجوهري: لماذا التحالف الإقليمي أسرع، وربما أكثر سهولة، من بناء تحالف عربي – عربي؟ هل ما تزال الدول العربية التي وقفت على خط المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران في حالة افتراق حول بعض التفاصيل وآليات التعامل المرحلي والمستقبلي تجاه هذا الخطر الوجودي؟ ربما يكون هذا أقرب إلى التشخيص الحقيقي دون الحاجة إلى الدخول في التفاصيل.
لكن عقد قمة جدة الخليجية التشاورية مؤخرًا يؤكد الفهم العميق بأن الأساس في بناء الأمن العربي في هذه المنطقة هو تضامن عربي خالص، وهذا يتسق، بل ويتعاظم، مع أي انفتاح على ائتلافات إقليمية عربية جزئية أو أوسع من ذلك. ففي كل الأحوال، وعلى الأهمية الاستراتيجية للأحلاف العربية الإقليمية، فإن الأساس الأكثر فاعلية وطمأنينة هو بناء منظومة ردع عربية بعيدة المدى، ذات خطط تطويرية مستمرة وبرامج إدامة لا تفتر مع مرور الزمن.





